وهذا الاستعباد الذي قامت عليه دولة الفرس والروم ليس مجرد حالات فردية وإنما هو المنهج العام الذي سارت عليه هاتان الدولتان مع الأمم التي سيطرت عليها .
وكانت مالية تلك الدول تقوم على الضرائب التي تجبى من الشعوب بالقسر والإكراه وبدون دافع مثالي , بل لمجرد جمع المال اللازم لبقاء تلك الدول , ولما كان وجود الدول واستمرارها يقوم على إعداد الجيوش الضخمة , والموظفين الذين يقومون بخدمة تلك الدول وحمايتها كان لابد من إلزام أفراد الشعوب بدفع الضرائب التي تؤمِّن ذلك المال , وحيث إن القناة الوحيدة التي تصل عبرها تلك الأموال إلى الجنود والموظفين هي تلك الدول فإن هؤلاء المجنَّدين والمستخدمين يعطون ولاءهم لتلك الدول ويبالغون في تعظيمها وخدمتها , وهم في الحقيقة يشكِّلون دوائر في تكوين تلك العصابات التي تتولى أمور الناس لأن المسئولين عن الحكم بحاجة ماسة إلى هؤلاء , وهؤلاء بحاجة ماسة إليهم وكل فريق يرى أن وجوده ضروري مع الآخر , ولهذا فإن كل فريق من هؤلاء وأولئك يُعدُّون مستعبَدين للفريق الآخر لشعورهم بافتقارهم إليهم , وإن كان الظاهر على السطح أن الجنود والمستخدمين هم العبيد للحكام الطغاة المتجبرين .
وإن لهذه الطريقة التي كانت تسير عليها الدول آنذاك مفاسد عظيمة من أبرزها قتل العقول والقضاء على حرية التفكير والتعبير , وتعطيل قطاعات ضخمة من أبناء الأمة في سبيل تثبيت حكم تلك الدول وضمان استمرار رفاهيتها لأن قطاع الجنود والمستخدمين لايفيدون الأمة بأي عمل , وكلما كان هذا القطاع كبيرًا كانت إصابتها بالشلل أعمق وأوسع .