و لا يَحْسُنُ بِهِ أن يُمْسِكَ عن الطَّعامِ و الشرابِ في النَّهارِ، ثُمَّ يُعَوِّضُ ما فَاتَه في الليلِ.
و كذلك التقليلُ من إتيانِه الشهواتِ النفسانيةِ، فإنَّ رمضانَ ميدانٌ للسباقِ في الأعمال الصالحة، و صعيدٌ للمكاثرةِ من الطاعات، و الرجاءِ لفوزٍ بالرضوان و الرحمة و المغفرةِ، فقبيْحٌ أنْ تُضيَّعَ منحٌ من أجل شهواتٍ ليسَ المرءُ مضطرًا إليها، و إنما يُمكنُ الاسغناءُ عنها، و اللهُ يقولُ في الحديثِ القُدُسي:"يَتْرُكُ شَهوتَه و طَعامَه وَ شَرابَه مِنْ أجلي"يقولُ الإمامُ ابنُ رجبٍ _ يرحمه الله _ في:"لطائفِ المعارفِ" (ص: 290 و ما بعدها) : و في التقرُّبِ بِتَرْكِ هذه الشَّهواتِ في الصيامِ فوائدُ:
الأولى: كَسْرُ النَّفسِ، فإنَّ الشِّبَعَ و الرِّيَّ و مُباشَرَةِ النساءِ تَحمِلُ النفسَ على الأشَرِ و الغفلةِ.
الثانية: تَخَلِّي القلبِ للفكرِ و الذِّكرِ، فإنَّ هذه الشهوات قدْ تُقَسِّي القلبَ و تُعميِهِ، و تحولُ بين العبدِ و بينَ الذكرِ و الفِكرِ، و تَسْتَدعي الغفلةَ، و خُلُوُّ الباطنِ من الطعامِ و الشراب _ أي: من الإكثارِ منهما جدًا _ يُنَوِّرُ القلبَ، و يُوْجِبُ رِقَّتَه، و يُزيلُ قَسْوَتَه.
الثالثةُ: تذكُّرُ الغَنِيِّ غَيْرَه مِمَّنْ مُنِعَ السَّعةَ في الرزقِ، فَيُوجبُ لَه شُكرَ النعمة.
الرابعةُ: تَضيِيْقُ مجاريَ الدَّم، وهي: طُرُقُ الشيطانِ في ابنِ آدم.
و لا يَتِمُّ التقرُّبُ إلى اللهِ تعالى بترْكِ هذه الشهواتِ المُباحةِ في غير حالةِ الصيام إلا بِتَرْكِ المُحرَّماتِ في كلِّ حالٍ.
و هُنا يكون التَمايُزُ بينَ الصائمين، و أنهم على مراتبَ و طبقاتٍ، فليسوا سواءً، و ليسوا على نَسَقٍ واحدٍ: