2-كان من أكبر أهداف الأدب الحديث - الذي قام به كتاب ما بعد الحرب العالمية الأولى - هو الانقطاع عن الأدب العربي الذي يمتد عقده منذ ظهور الإسلام؛ ولذلك لم نر كاتبا واحدا من هؤلاء يصل نفسه بهذا الأدب، (ما عدا الرافعي؛ وكانوا يسمونه رجعيا) ، وكل ما عرضه هؤلاء الكتاب من الأدب العربي القديم إنما كان محاولة لتصوير الأدب بصورتين:
أ- صورة الشعر الهابط، ممثلا في أبي نواس وبشار ومجموعة الزنادقة الذين شغل بهم البعض، أو الشعر الجاهلي الوثني.
ب- أدب السجع والمحسنات اللفظية الذي لم يكن من الأدب العربي الأصيل، والذي جاء به الفرس والوثنيات القديمة.
وكانت النظرية الشائعة إبعاد (ابن تيمية وابن القيم الجوزية) - وكل هؤلاء وغيرهم - عن مجال الأدب، ووصفهم بأنهم فقهاء، وذلك حتى يتحرك الشباب المسلم في دائرة مغلقة .
ولقد ظل عمل هؤلاء مقطوع الصلة بالأدب العربي في امتداده يركز على المناهج الفرنسية أو المناهج الإنجليزية.
إن هناك مفازة واسعة وقف عندها هؤلاء الرواد ولم يجاوزها إلا بين حين وحين؛ عندما كتبوا عن المتنبي أو ابن الرومي، أما من حيت قيام دراسة متصلة شاملة تربط حلقات الأدب كلها فلم يكن هناك غير الأسلوب المدرسي الذي يقسم الأدب إلى عصور.
3-لقد كانت، هذه التجزئة في الأدب مساوية تماما للتجزئة السياسية التي وجدت بعد الحرب العالمية الأولى، حيث الدعوة إلى الإقليمية والوطنية الضيقة، وبذلك أغلقت الأبواب دون الفهم الصحيح للروابط الاجتماعية والسياسية والفكرية بين الأمة العربية من ناحية وبين العرب والمسلمين من ناحية أخرى، ودعا بعضهم إلى إغلاق الأبواب في وجه كل ما يسمى عروبة أو إسلاما.
في هذه الفترة الحرجة من تاريخ أمتنا يتسائل الكثيرون عن (اختفاء الفكر العربي الأصيل) ، ويردونه إلى عجز الأدب (إبان النكسة والنكبة، وخلال مرحلة 1948م إلى 1967م) عن العطاء.
وقد أجاب البعض إجابات جانبية وعجزوا عن أن يفهموا أعماق هذه الظاهرة.
إن الأزمة أكبر من الأدب نفسه، فالقضية قد انتقلت إلى مجال الفكر الإسلامي بعد أن فشل الأدباء في الاستجابة الحقيقية للأمة، وكان أغلب ما قدموه لا يمثل حقيقة هذه الأمة ولا جوهر فكرها ولا مضمون روحها، وإنما كان مترجمات ضالة من الفكر الوثني والمادي.
ولقد حجب في هذه الفترة كل كتّاب الأصالة حتى ماتوا كمدا بعد أن حجبت آثارهم ومنع إنتاجهم، وكثيرون غيرهم اعتقدوا أن راية الإسلام هي المظلة الحقيقية.