الصفحة 2 من 16

وعلى هذا، فالرأي عندنا أن الأدب الشعبي أقدم من أخيه التقليدي الذي صار يعرف، بالفصيح. وغدًا الشعبي بفعل التقصير في التعلم والطبقية المستجدة، وسكنى المدن والخضوع لقوانينها، والتحضر الذي طرأ على البيئة العربية بفعل ارتفاع مستوى المعيشة وزيادة الثروة القومية، كما يقال الآن، هو الأدب العامي الملحون - وإن كان البدوي منه أقرب، من الحضري، إلى صفاء التعبير وقلة الشوائب والحفاظ على التقاليد والسنن السابقة.

وفي محاولة منا لقص أثار البدايات الأدبية في اللغة العربية، يبدو أن السجع كان الصورة الأولى من التعبير الفني، ومن الطبيعي أن يظهر على أيدي الكهان في المعابد الكثيرة التي انتشرت هنا وهناك إرواءً لعطش الإنسان العربي إلى الاتصال بالسماء ونيل الأمان من القوة الرهيبة التي تغير الفصول وتحيي وتميت، وتضر وتنفع.

من هنا تقرب الكهان إلى عالم الجبروت والملكوت بجمل نمقوها إجلالًا له وهيبة وخوفًا وطمعًا كما يلبس الإنسان أحسن ما عنده عند لقاء السلطان أو عند زيارة الأخذان ليعبر عن الاحترام والتقدير والمحبة أو المهابة وما إلى ذلك ..

وهكذا سمعنا واحدًا من كهان العرب يسجع ويقول:

(إذا طلع السرطان استوى الزمان وحضرت الأوطان وتهات الجيران) (1)

وقال آخر: إذا طلع الدبران توقدت الحزان وكرهت النيران يبست الغدران

ورمت بأنفسها، حيث شاءت، الصبيان) (2)

ثم تطور هذا السجع، ذو الجمل القصيرة، التي لا تعنى بالوزن ولا الإيقاع، إلى جمل متساوية ذات أوزان متماثلة أطلق على وحداتها كلمة (شطر) ، نسبة إلى ضرع الناقة - فيما يبدو - وتشبهًا به، وعلى مجموعها مصطلح (رجز) .

وقد استمد العربي رجزه هذا من ناقته أيضًا تشبهًا بها - بحالها (إذا أصابها داء في أعجازها فتضطرب رجل البعير أو فخذاه، إذا أراد القيام) (3)

ولهذا فالناقة الرجزاء هي: المريضة بداء الرجز عندهم، وقد وصفت بأنها (إذا نهضت من مبركها لم تستقل إلى بعد نهضين أو ثلاث) كما في لسان العرب لابن منظور (مادة رجز) . وهكذا فالجهد الذي تبذله الناقة المريضة في النهوض مرتين وثلاثًا، حتى تقوم، هو الإيقاع الذي نسج على منواله أول شكل من أشكال الشعر العربي الذي قام على أساس من الشطر الواحد لا البيت ذي الشطرين كما تطور الأمر فيما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت