وقد بقى الرجز على ما كان عليه، كما فعل سجع الكهان، وسمي الشعر الجديد ذو الشطرين بالقريض، استمدادًا من فصله نصفين كما يفعل المقراض بالأشياء. وتعبيرًا من هذه الظاهرة سمعنا ربيعة بن ثابت بن لجأ الأسدي الأنصاري الرقي (ت بين 198 و303هـ / 813 - 818م) يقول (رجزًا) :
أرجزًا تريد أم قريضًا
أم هكذا بينهما تعريضًا
كليهما أجيد مستريضًا (4)
ومن نماذج الرجز الأولى التي تصلح مثلًا له، وتستغرق شروطه وقول الراجز:
دع المطايا تنسم الجنوبا
إن لها لنبأً عجيبًا
حنينها، وما اشتكت لغوبا
يشهد أن قد فارقت حبيبا (5)
وللاحتجاج على أن الرجز شعر شعبي ذكر ابن وهب الكاتب (أبو الحسن إسحق بن إبراهيم، ت بعد 335هـ/ 947م) أن (الراجز الساقي الذي يسقي الماء) (6) ,
وأن الأصل في الراجيز - وهي القطعة الشعرية من الرجز - (أن يرتجز بها الساقي على دلوه، إذا مدها. ثم أخذت الشعرا فيه، فلحق بالقصيد) (7) ،
أو لحق به القصيد كما ينبغي أن يقال.
وبهذا يتبين أن الرجز شعر شعبي يقترن ترديده أو إنشاده، أو الغناء به على الصحيح، شغلًا للنفس عن مشقة العمل وتسلية لها من الهموم وشحنًا لها بمزيد من الطاقة للاستمرار في ما هو فيه من جهد.
ولأن هذا الحكم صحيح، رفض واضعو العروض العربي، فيما بعد، أن يعدوا الرجز شعرًا وقرنوه بالسجع من جديد (8) لكن، إذا كان العرب (يترنمون به في عملهم وسوقهم ويحدون به) (9) لابد من عده شعرًا شعبيًا، وقد دخل الشر من أوسع أبوابه، فيما بعد، واعترف به، ورد إليه اعتباره فكان منه - وإن كان بدائيًا تلقائيًا جمليًا.
ومن تحصيل الحاصل الإشارة إلى أن الرجز كان، فوق مصاحبته للإنسان العربي في خصوصيات حياته، في بيته وعمله وسفره، إطارًا للحماسة الحربية والفخر