الصفحة 7 من 9

وهذا الاستدلال مردود من وجوه:

الأول: أن سياق الآية يدل على أن هذا التحدي يكون يوم القيامة ويظهر ذلك جليًا لمن قرأ هذه السورة من أولها فإن الله ذكر فيها ابتداء خلق الإنسان والجان، وما سخر للعباد في آفاق السموات والأرض، ثم ذكر فناء من عليها ثم قال:] سنفرغ لكم آيٌّهَ الثقلان[. وهذا الحساب ثم تحدى الجن بأنه لا مفر لهم ولا مهرب من أقطار السموات والأرض فيستطيعون الهروب ولا قدرة لهم على التناصر فينصروا وينجوا من المرهوب، ثم أعقب ذلك بذكر الجزاء لأهل الشر بما يستحقون، ولأهل الخير بما يؤملون ويرجون.

ولا شك أن السياق يبين المعنى ويعينه فرب كلمة أو جملة صالحة لمعنى في موضع ولا تصلح له في موضع آخر، وأنت ترى أحيانًا كلمة واحدة لها معنيان متضادان يتعين المراد منهما بواسطة السياق كما هو معروف في كلمات الأضداد في اللغة.

فلو قدر أن الآية الكريمة تصلح أن تكون في سياق ما خبرًا لما سيكون في الدنيا فإنها في هذا الموضع لا تصلح له بل تتعين أن تكون للتهديد والتعجيز يوم القيامة وذلك لما سبقها ولحقها من السياق.

الثاني: أن جميع المفسرين ذكروا أنها للتهديد والتعجيز وجمهورهم على أن ذلك يوم القيامة وقد تكلم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي على هذه الآية في سورة الحجر عند قوله ـ تعالى ـ:]ولقد جعلنا في السماء بروجًا وزيناها للناظرين. وحفظناها من كل شيطان رجيم[. ووصف من زعم أنها تشير إلى الوصول إلى السماء وصفه بأنه لا علم عنده بكتاب الله.

الثالث: أنه لو كان معناها الخبر عما سيحدث لكان معناها يا معشر الجن والإنس إنكم لن تنفذوا من أقطار السموات والأرض إلا بعلم وهذا تحصيل حاصل فإن كل شيء لا يمكن إدراكه إلا بعلم أسباب إدراكه والقدرة على ذلك، ثم إن هذا المعنى يسلب الآية روعتها في معناها وفي مكانها فإن الآية سبقها الإنذار البليغ بقوله ـتعالىـ:]سنفرغ لكم أيه الثقلان [. وتلاها الوعيد الشديد في قوله:] يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران[.

الرابع: أن دلالة الآية على التحدي ظاهرة جدًا.

أولًا: لما سبقها ويتلوها من الآيات.

ثانيًا: أن ذكر معشر الجن والإنس مجتمعين معشرًا واحدًا فهو قريب من مثل قوله ـ تعالى:]قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا[.

ثالثًا: أن قوله:]إن استطعتم [ظاهر في التحدي خصوصًا وقد أتى بـ"إن"دون"إذا"تدل على وقوع الشرط بخلاف"إن".

الخامس: إنه لو كان معناها الخبر لكانت تتضمن التنويه بهؤلاء والمدح لهم حيث عملوا وبحثوا فيما سخر الله لهم حتى وصلوا إلى النفوذ وفاتت النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الذين هم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت