الصفحة 4 من 25

المبحث الأول

أثر المقام في تحديد خصائص الشعار

تحديد المقام الذي قيل فيه هذا الشعار , وتجليته للعيون أمر بالغ الأهمية , لأن

هذا المقام هو الرحم الذي يبدأ فيه تكوينه , ويظل هذا الرحم يمده ويغذيه طيلة

أيام الحج , ولا عجب حين تستشعر النفوس دلالات التلبية في أول أيام الحج , ومع

بداية الإحرام , ثم تجد هذه الدلالات تنموا في النفس , وتزداد تأثيرا عليها مع

مرور الوقت , حتى يصل المعنى إلى ذروته في يوم االعيد , حين ينتقل الحجيج من

شعار التلبية إلى شعار التكبير حين يرمون جمرة العقبة الكبرى , ولا شك أن هذه

الرحلة الطويلة تفرض على الشعار هيكلته , وركائزة , ولا يمكن فهم التركيب

ومكوناته الأساسية إلا بتبيان هذا المقام الحاضن له , والذي يفترض أنه مناسب له

, فلكل مقام مقال كما يعرف الجميع.

ودعني هنا أبرز لك - على عجل - هذا المقام.

1 -فهناك شعيرة دينية , هي الركن الخامس من أركان الإسلام , وتسمى شعيرة الحج

, ومعلوم أن الشعائر الدينية لها سلطانها على القلوب , بحيث تَبذُل فيها النفوس

أقصى ما لديها من طاقة , وتظل تلح عليها حتى تصل إلى درجات الرضى , من خلال

رضى المعبود - سبحانه وتعالى -.

2 -من أصول هذه الشعيرة اجتماع الجميع , وإن اختلفت أوطانهم , وتعددت لغاتهم

3 -من لوازم هذا الاجتماع نزع كل مظاهر التميز , أو التمييز , فاللباس واحد ,

والأفعال واحدة , والكل يدور في فلك واحد , وأية مخالفة تستوجب الكفارة.

4 -في هذا الاجتماع العظيم ترى لغات شتى , وألوان شتى.

5 -المكان , والزمان هنا يجمعهما إطار واحد وهو القداسة , والتحريم.

6 -هناك غاية واحدة للجميع وهي الاستسلام الكامل لله تعالى , وطلب مرضاته ,

ومن وراء هذه الغاية يقوم الجسد , واللسان , وجميع الأعضاء بتنفيذ كافة

المناسك طاعة لله تعالى , وإن توقف العقل في فهمها.

تلك هي أهم ملامح المقام الذي يتشكل في داخلة شعار التلبية على النحو المعروف ,

ولعلك تلحظ فيه من أول وهله عدة خصائص لا تخطئها العين , وهي على النحو التالي

1 -التكرار.

2 -الإيجاز.

3 -سهولة الألفاظ.

فضلا عن خصائص أخرى ستتبين من خلال التحليل , إلا أن هذه الأربعة هي أهم ما

يميز شعار التلبية مما يجعل البحث ملزما بالنظر في علاقة هذه الخصائص بالمقام

, ودوره في تشكيل هيكل الشعار على هذا النحو.

ولنقف أولا عند التكرار:

فلقد كرر في الشعار اللفظ المفرد , كما كررت الجمل , وكذا الحال بالنسبة

للحروف.

ففي اللفظ المفرد كرر لفظ التلبية أربع مرات.

وجملة نفي الشريك كررت مرتين.

والجار والمجرو (لك) كرر ثلاث مرات.

كما تكررت الكاف عشر مرات , و اللام تسع مرات , والياء ست مرات , والباء أربع

مرات , والميم أربع مرات , والنون أربع مرات (مرتين مشددتين) , والشين والراء

مرتين.

ولقد ساء رأي كثيرين في التكرار ونظروا إليه على أنه هجنة , ونقيصة يصان الكلام

البليغ عنها , وأن ما يخلو من التكرار أفضل مما فيه تكرار , كما يشيع قولهم:

قيل كذا فرارا من التكرار , أو حذرا من التكرار , والذي لا شك فيه أن (التكرار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت