المبحث الأول
أثر المقام في تحديد خصائص الشعار
تحديد المقام الذي قيل فيه هذا الشعار , وتجليته للعيون أمر بالغ الأهمية , لأن
هذا المقام هو الرحم الذي يبدأ فيه تكوينه , ويظل هذا الرحم يمده ويغذيه طيلة
أيام الحج , ولا عجب حين تستشعر النفوس دلالات التلبية في أول أيام الحج , ومع
بداية الإحرام , ثم تجد هذه الدلالات تنموا في النفس , وتزداد تأثيرا عليها مع
مرور الوقت , حتى يصل المعنى إلى ذروته في يوم االعيد , حين ينتقل الحجيج من
شعار التلبية إلى شعار التكبير حين يرمون جمرة العقبة الكبرى , ولا شك أن هذه
الرحلة الطويلة تفرض على الشعار هيكلته , وركائزة , ولا يمكن فهم التركيب
ومكوناته الأساسية إلا بتبيان هذا المقام الحاضن له , والذي يفترض أنه مناسب له
, فلكل مقام مقال كما يعرف الجميع.
ودعني هنا أبرز لك - على عجل - هذا المقام.
1 -فهناك شعيرة دينية , هي الركن الخامس من أركان الإسلام , وتسمى شعيرة الحج
, ومعلوم أن الشعائر الدينية لها سلطانها على القلوب , بحيث تَبذُل فيها النفوس
أقصى ما لديها من طاقة , وتظل تلح عليها حتى تصل إلى درجات الرضى , من خلال
رضى المعبود - سبحانه وتعالى -.
2 -من أصول هذه الشعيرة اجتماع الجميع , وإن اختلفت أوطانهم , وتعددت لغاتهم
3 -من لوازم هذا الاجتماع نزع كل مظاهر التميز , أو التمييز , فاللباس واحد ,
والأفعال واحدة , والكل يدور في فلك واحد , وأية مخالفة تستوجب الكفارة.
4 -في هذا الاجتماع العظيم ترى لغات شتى , وألوان شتى.
5 -المكان , والزمان هنا يجمعهما إطار واحد وهو القداسة , والتحريم.
6 -هناك غاية واحدة للجميع وهي الاستسلام الكامل لله تعالى , وطلب مرضاته ,
ومن وراء هذه الغاية يقوم الجسد , واللسان , وجميع الأعضاء بتنفيذ كافة
المناسك طاعة لله تعالى , وإن توقف العقل في فهمها.
تلك هي أهم ملامح المقام الذي يتشكل في داخلة شعار التلبية على النحو المعروف ,
ولعلك تلحظ فيه من أول وهله عدة خصائص لا تخطئها العين , وهي على النحو التالي
1 -التكرار.
2 -الإيجاز.
3 -سهولة الألفاظ.
فضلا عن خصائص أخرى ستتبين من خلال التحليل , إلا أن هذه الأربعة هي أهم ما
يميز شعار التلبية مما يجعل البحث ملزما بالنظر في علاقة هذه الخصائص بالمقام
, ودوره في تشكيل هيكل الشعار على هذا النحو.
ولنقف أولا عند التكرار:
فلقد كرر في الشعار اللفظ المفرد , كما كررت الجمل , وكذا الحال بالنسبة
للحروف.
ففي اللفظ المفرد كرر لفظ التلبية أربع مرات.
وجملة نفي الشريك كررت مرتين.
والجار والمجرو (لك) كرر ثلاث مرات.
كما تكررت الكاف عشر مرات , و اللام تسع مرات , والياء ست مرات , والباء أربع
مرات , والميم أربع مرات , والنون أربع مرات (مرتين مشددتين) , والشين والراء
مرتين.
ولقد ساء رأي كثيرين في التكرار ونظروا إليه على أنه هجنة , ونقيصة يصان الكلام
البليغ عنها , وأن ما يخلو من التكرار أفضل مما فيه تكرار , كما يشيع قولهم:
قيل كذا فرارا من التكرار , أو حذرا من التكرار , والذي لا شك فيه أن (التكرار