في الكلام ... ظاهرة فاشية في القرآن الكريم , وفي الحديث الشريف , وفي أشعار
الشعراء , ونثر الأدباء , ذلك أن الدواعي التي تدفع إليه قائمة في فطرة النفس ,
والمواقف التي تقتضيه تمتلئ بها الحياة والناس بفطرتهم يدركون متى يكون التكرار
ضرورة ومتى يكون تزيدا غير مقبول؟)
والذي يعنيني هنا هو النظر في الدواعي التي جعلت من التكرار في شعار الحج ضرورة
بلاغية , وحين ترجع إلى الدواعي عند العلماء تجدهم يتحدثون عن إرادة التوكيد ,
والإفهام , واشتداد العناية والاهتمام , والخوف من الغلط والنسيان , والاحتياط
للمعنى وتمكينه.
وفي كتاب أستاذي إبراهيم الخولي \"التكرار بلاغة \"ذكر أن للتكرار مقامات ,
وقال إن أولها هو مقام اللجوء إلى الله تعالى , وكذا مقام الدعاء والاستغفار.(
ولا شك أن ركن الحج من أوله إلى آخره يمثل قمة اللجوء إلى الله تعالى ليس
بالقلب وحده , بل بالقلب والجسد معا , حيث يترك الجميع بلادهم , وأهلهم ,
ويتوجهون إلى الله تعالى عند بيته المحرم , وهنا تجد التكرار ضرورة , حيث
الدعاء , والإلحاح على الله تعالى في طلب العفو , ولذلك \"كان رسول الله صلى"
الله عليه وسلم يعجبه أن يدعو ثلاثا , وأن يستغفر ثلاثا \""
كما أنك تلحظ في تكرار الشعار ضربا من التواصل العقلى بين هذه الجموع التي
تلتقي للمرة الأولى في مكان واحد , ولم يكن بينها سابق معرفة , مما يستلزم وجود
اتصال على نحو ما , ليتم التعارف من خلالة , ليس بالأسماء والألقاب , ولكن
بكلمات تُكرر , وأصوات تُرفع , يستشعر من خلالها الجميع قوة الرابطة بينهم ,
كما يستشعرون الضراعة والخشية والافتقار إلى فضل الله وعفوه.
فهذا الجمع لا بد أن يتعارف , وأن بتصل بعضه ببعض , وأن يعرف كل منهم أسم أخيه
, وبلده , , ليتم قول الله تعالى \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ"
مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
\"الحجرات 13"
فكان هذا الشعار هو التعارف الكامل , فمن أراد أن يعرف أسماء هذه الجموع ,
وهوياتها , وأوطانها , وعقائدها , وكل شيء عنها , فليسمع: \"لبيك اللهم لبيك"
\"فالكل هنا واحد اسمه مسلم , وبلده الإسلام , وعقيدته الإسلام."
فكأن هذا الشعار بطاقة التعريف السريعة الواضحة , وحين يصرخ بها المسلم تستشعر
الجموع أنها بين إخوتها , وفي أوطانها.
وإذا كان قرع الباب جديرا بفتحه , فإن الإلحاح في القرع وسلوك سبيل التكرار
في النداء يخلق بين جموع الحجيج رابطة هي أقوى من رابطة الدم , لأنك حين تجد
نفسك تردد ألفاظا يرددها هذا الجمع الغفير , الآتي من كل فج عميق تستشعر قوة
الرابطة بينك وبينهم , لأنكم جميعا تتكلمون لغة واحدة.
وإذا كان مُعلِّم الناس الخير- صلى الله عليه وسلم- قد علمنا الإكثار من
الدعاء , وتكرار الطلب من الله تعالى , فإن في تكرار الشعار إلحاحًا على القلوب
كي تترابط برباط العقيدة لتكون في الختام أمة واحدة , وجسدا واحدا إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر , وبهذا ترى أثر المقام في تكوين
جانب من جوانب الشعار وهو التكرار.
زد على ذلك , أنك حين تسمع هذا الشعار من الجميع تصلك فكرة الاتحاد بين
المسلمين بسرعة , فالشعار يوصل الفكرة بسرعة , ويعرفك على كل الحجيج بسرعة ,
ليس تعريفا معتادا , بأن يذكر كل منهم اسمه وبلده , ولكن تعريف بالهوية
الإسلامية , فيكفي أن تعرف بأن هذا أخوك حين تسمعه يقول \"لبيك اللهم لبيك \"
حيث عبرت هذه الجملة بصورة واضحة عن غايته التي لا تختلف عن غايتك , وعن هويته
التي تتحد مع هويتك , بل عن همومه التي لا تبعد عن همومك , في زمان صارت هموم