الصفحة 9 من 25

غير هذا العالم المحسوس , بل إنك تستحضر عند ترداده بالجلال والبهاء , وترى ذلك

في الإحكام في صنعته , والحذق والنجابة في تركيبه , فالمبنى لا يقل شرفا وعلوا

عن المعنى , والرفعة والسمو في التركيب لا تقل بحال عن الكمال والشرف في

المقصود , فكأن المعنى والمبنى قد أحيطا بسياج من النبل والشرف , فلا يرى القلب

تركيبا أصفى , ولا معنى أوفق لهذا المقام من هذا المعنى ومن هذا التركيب ,

وحين يقول الإمام عبد القاهر - رحمه الله -(إن لكل نوع من المعاني نوعا من

الألفاظ , هو به أخص وأولى , وضروبا من العبارة هو بتأديته أقوم وهو فيه أجلى

)... فإنك واجد ذلك في ألفاظ التلبية وتراكيبها , فالمبنى والمعنى هنا من بيان

الوحي , وليس من بيان البشر.

والذي يشغل البحث ليس معنى المفردات , وإنما مقصود النص , وغايته , والمراد منه

, لأن ذلك بلا شك هو الذي يرسم صورة الكلام ويشكل إطاره , ويرسم ألوانه , ويحدد

عناصره , وحين نمسك بغاية الشعار ومراده , أو على الأقل حين نقترب منه , أو

نراه عن بعد سيبدو بجلاء روعة التعبير , وأوجه اصطفاء اللفظ , وعلة الصورة

التركيبية فيه , وسبب الاقتصار على الحمد , والنعمة , والملك , ونفي الشريك عدة

مرات , صراحة أو ضمنا. . إلخ

فما الذي يبتغيه الحاج من الجؤار بهذا الشعار؟

وما هي الروح السارية فيه , والتي يلح عليها بالتكرار صباح مساء؟

إن(الْمَقْصُودُ مِنْ التَّلْبِيَةِ إنما هو إظْهَارُ الْإِجَابَةِ ,

وَإِظْهَارُ الْإِجَابَةِ قَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ كَمَا يَكُونُ بِالْقَوْلِ

, أَلاتَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ: يَا فُلَانُ , فَإِجَابَتُهُ تَارَةً تَكُونُ

بِلَبَّيْكَ , وَتَارَةً بِالْحُضُورِ وَالِامْتِثَالِ بَيْنَ يَدَيْهِ)

وحين تنظر إلى كلام علمائنا تجد أنهم وضَّحوا معاني الألفاظ , ولم ينظروا إلى

الشعار كله دفعة واحدة , ونظروا في المفردات , وابتعدوا عن غاية النص , أو على

الأقل: الهدف منه , فكل نص له غاية يرمي إليه , وإذا غابت هذه الغاية عن

القارئ ضل طريقه في معرفة البلاغة من وراء اصطفاء اللفظة , وموقعها , وعلاقاتها

,مما يعني أن الوصول إلى غاية النص هو المفتاح الرئيس لفقه بلاغته.

وحج بيت الله تعالى ملحمة تعبدية يُدعى لها كلُّ مستطيع من المسلمين , فيأتون

من كل مكان ليرسموا لوحة مصغرة من مشهد الحشر الأعظم.

أعيد هذا ثانية: إنهم يرسمون لوحة مصغرة من مشهد الحشر الأعظم.

إنهم يقومون ببيان عملي للرحلة الآخرة والتي تنتهي بالبشر إما إلى الجنة ,

وإما إلى النار.

لاحظ هذا إن التلبية شعار الحج , ولكل جمع شعار ,فشعار الناس يوم القيامة:

\"لا إله إلا الله \"و طلب العفو والمغفرة ,وشعار الأنبياء: رب سلم سلم .. )

فالكل يجأر يوم القيامة بطلب العفو , وكذلك الكل يجأر في الحج بالتلبية حتى تبح

الأصوات , وغايتهم جميعا رضى الله تعالى , ومحو ما سبق من ذنوب وخطايا. إذن

الغاية من التلبية هي النجاة, كما أن الغاية من الصراخ يوم القيامة هي النجاة.

فعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِعَارُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الصِّرَاطِ رَبِّ

سَلِّمْ سَلِّمْ .... وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ رَبِّ

سَلِّمْ سَلِّمْ حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ)

وعن عبد الله رضي الله عنه، (وإن منكم إلا واردها) قال: «الصراط على جهنم

مثل حد السيف فتمر الطائفة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود

الخيل، والرابعة كأجود الإبل والبهائم، ثم يمرون والملائكة تقول: رب سلم سلم

لا حظ هنا أن الكل يقول: رب سلم سلم , الناس , والأنبياء , حتى الملائكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت