وكذلك الحال في الحج , فالكل قادم إلى الله تعالى متجردا من الدنيا , طامعا في
العفو , مستجديا من ربه الصفح , مقرا بذنبه , حاملا له على عنقه , راجيا عفو
ربه.
ذاك هو مقصود كل حاج , وغاية كل زائر , ومطمح كل قادم , لذا يساقون سوقا إلى
مشاعر أشبه ما تكون بمواقف القيامة حين يأتي الناس إلى الله يرجون رحمته
ويخافون عذابه.
فيُعلَّمون ماذا يقولون , وكيف يقولون , وكأنما رحمة الله تعالى توجههم إلى هذا
الشعار , فهو مفتاح القبول , وبوابة الوصول , والمدخل إلى رحمة الغفور ,
لاينبغي لأحد أن يبتدع هنا كلاما , ولا يجوز لأحد أن يؤلف هنا نظاما , فما دمت
قد جئت , فدع ربك يعلمك ماذا تقول , وكيف تقول حتى يصفح عنك , ويرفع عنك ,
ويحمل عنك كل ما جئت حاملا له من خطايا.
وأول الصفح إقرار منك , وإبراز لضعفك وحاجتك , وتوكيد على الطاعة , الطاعة
التي لا تتوقف عند شيء , بل هي طاعة كاملة فابدأ بها لذا قل \"لبيك \"وكرر
فقل \"لبيك \"
والطاعة الكاملة ليست لكل أحد , بل هي لله الواحد الأحد , فأكد هذا المعنى وقل
\"لبيك لا شريك لك لبيك \"ويؤكد على هذا مارواه مكحول , قال:(التلبية شعار
الحج فأكثروا من التلبية عند كل شرف وفي كل حين، وأكثروا من التلبية
وأظهروها.)
إنه إظهار للضعف , وإبراز للطاعة , وصراخ بالتضرع , وإسماع للبشر والشجر والحجر
بأن هذا الإنسان مقر ومعترف بالذنب , ومقر ومعترف بوحدانية الله تعالى ,
وامتلاكه لكل شيء , فليسمع الكون هذا , وليشهد الجميع عليه.
لكن العجيب في الأمر أن شعار التلبية لا يصرح فيه بالمطلوب , فلم يقل فيه مثلا
: اللهم اعف عنا , ولم يطلب فيه مغفرة , ولم يسأل أحد فيه الجنة , إنه خضوع
وثناء فقط , خضوع كامل لله تعالى , وثناء كامل لله تعالى , والخضوع متمثل في
تتابع جملة \"لبيك لبيك لبيك \"والثناء متمثل في جملة \"لا شريك لك , وجملة"
\"إن الحمد والنعمة لك والملك \"
فما هو طلبكم؟ وماذا تريدون؟ لم يقل أحد!!!!
إنه فقط خضوع وثناء.
ليس لأن العباد لا يريدون شيئا , ولكن لأن رب العباد يعلم ما هو أولى لمن جاء
خاضعا لرب الكون , لذلك يباهي بهم الملائكة ويشهدهم على غفرانه لذنوبهم.
وهذا هو المراد , وتلك هي الغاية - كما أفهمها - ولعلك تلحظ معي أن الرعاية
الإلهية هي التي توجه هنا , وهي التي تأخذ بيد العبد القادم من بعيد على ربه
لتدخله عليه سبحانه حتى يقبله , فتعلمه ماذا يقول , وبم يبدأ وبم يثني , وما
طبقة الصوت التي يقول بها؟ ومتى يبدأ بالصدع , ومتى ينتهي , إلخ
ولقد(كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا
يَبْلُغُونَ الرَّوْحَاءَ حَتَّى تُبَحَّ حُلُوقُهُمْ مِنْ التَّلْبِيَةِ
وَقَالَ أَنَسٌ سَمِعْتهمْ يَصْرُخُونَ بِهَا)
أرأيت؟
إنهم يصرخون بها , إنها قوانين ونظم القبول , وشروط ومبادئ الوصول , ولا بد
للجميع من رفعها , والإلحاح بها , أعني:
(الإقرار بـ\"الطاعة , والتوحيد والحمد , والنعمة , والملك \")
ولعلك تلحظ في دائرة هذا المعنى أسلوب القصر الذي ينتشر بين جنبات الشعار
ولكنه غير اصطلاحي , حيث يفهم من كل جملة معنى القصر, دون وجود الأدوات والطرق
الاصطلاحية , فالتلبية له وحده , وليست لغيره , والحمد له وحده وليس لغيره ,
والنعمة له وحده , وليست لغيره , والملك له وحده , وليس ذلك كله لأحد غيره ,
فالإفراد والتوحيد ليس مقصورا على ألوهيته سبحانه , ولكنه يشمل إفراده بالحمد