فهرس الكتاب
ولما كانت تلك المبادئ على هذا النحو من كونها لا تحتمل الخلاف [1] في رأي ابن سنان لأنها مؤيّدة بالعقل القويم والحس السليم -فإنها عنده قوانين ملزمة
"نوجب اقتفاءها"و"الائتمام بها" (ص257) ، وليست مجرد آراء أو وجهات نظر. وهكذا فإنه يتصوّر أنه قد أدرك الغاية التي طالما سعت إليها همّة النقاد: أن يضع بين أيدي طلاب النقد علمًا ذا أصول مقررة مضبوطة كسائر العلوم، ويتراءى له أنه قد استطاع بذلك أن يعيد القانون والنظام إلى دولة الأدب بالقضاء على أسباب الفوضى والاضطراب في الأحكام النقدية. هذه الأسباب يمكن ردّها إلى أمرين: صدور الناقد في حكمه عن الهوى والغرض، أو أن من يصدر ذلك الحكم النقدي ليس بناقد أصلًا بل هو دعيّ في هذه الصناعة. ومتى استوى النقد علمًا ذا أصول مقرّرة أصبحت الأمور مضبوطة، وصار صعبًا إن لم يكن متعذّرًا على الطائفتين جميعًا من أصحاب الأهواء والأدعياء أن يفسدوا المشهد النقدي.
الطائفة الأولى ممن يحكّمون أهواءهم ويستسلمون للتعصّب تجدهم يفضّلون ما يوافق طباعهم وأغراضهم أو يستجيدون شعر من يوافقهم في النّحلة والمذهب، أو يمت إليهم بالمودّة أو النسب. ووجود أصول نقدية مقرّرة كفيل بأن يكشف عوار هذه الأحكام النقدية وأمثالها، وأن يبيّن تهافتها، فهذه"كلها أقوال صادرة عن الهوى، ومقصورة على محض الدعوى، من غير دليل يعضدها، ولا حجّة تنصرها، والطريق الذي يؤدّي إلى المقصود من معرفة المختار في الألفاظ والمعاني هو ما ذكرناه] من الأصول والمبادئ [ونبّهنا عليه" (ص285) .
وأما الطائفة الأخرى من الأدعياء الذي ينتسبون إلى هذه الصناعة وليسوا من أهلها، فقد تبيّن لابن سنان أن وجودهم صار مرضًا مزمنًا يلازم الدراسة الأدبية و"أن العادة به جارية، والرزيّة فيه قديمة"وأنه أعيا النقاد قبله كالجاحظ
(1) 30. يرى ناقد معاصر أن ما يجعل تعليم الأدب أمرًا ممتعًا هو عدم وجود أحكام نهائية فيه، ولكنه يستحسن أن تكون الأحكام النقدية في المراحل الأولى من تعليم النقد واضحة وحاسمة وغير خلافية قدر المستطاع، انظر: ... D. H. Rawlinson, The Practice of Criticisim, p. 7.