فهرس الكتاب
والآمدي [1] . لقد استفحل هذا الداء مما جعل الحاجة إلى كتاب يبيّن أصول الفصاحة أمرًا ملحًّا:"ولما ذكرته] أي هذا الداء [رجوت الانتفاع به من هذا الكتاب، وأمّلت وقوع الفائدة به، إذ كان النقص فيما أبنته شاملاّ، والجهل به عامًّا، والعارفون حقيقته قرحة الأدهم[2] بالإضافة إلى غيرهم، والنسبة إلى سواهم"... (ص63) . عدم وجود أصول محدّدة للفصاحة كان بيئة مواتية لهؤلاء الأدعياء، أما وقد وضع ابن سنان بين أيدي المتأدبين أسسًا ومبادئ يرجعون إليها، فإن من عرفها وأحسن تطبيقها والقياس عليها صار قادرًا على الخوض في حديث الفصاحة، ومن لم يكن كذلك أبان عن جهله بها وتخلّفه فيها، وبذلك تصبح هذه المعرفة فيصلًا في التمييز بين من هو من أهل هذه الصناعة وذلك الذي هو دعيّ فيها [3] .
-ز-
والمبادئ والأصول التي يريد ابن سنان صياغتها تتعلق بأمور مثل اللغة والألفاظ والأصوات وغيرها مما يتناوله علم الفصاحة، وهذه أمور تداولت البحث فيها طوائف شتّى من المفكرين من بلاغيين ونقاد ولغويين ونحويين ومتكلمين. ولكن ابن سنان يأخذ على هذه الفئات عزلة كل فئة منها عن الأخرى، وعدم استفادتها من النتائج أو الإنجازات التي انتهى إليها غيرها؛ فأهل اللغة والنحو لم ينتفعوا في حديثهم عن اللغة وأصواتها وحروفها بأبحاث المتكلمين، وهؤلاء أيضًا فاتهم أن يطّلعوا على مباحث اللغويين والنحويين في هذا الشأن،"وأهل نقد الكلام فلم يتعرّضوا لشيء من جميع ذلك، وإن كان كلامهم كالفرع عليه" (ص15) . لقد أعرض البلاغيون والنقاد عما جاء عند الفريقين جميعًا مما يتصل باللغة وحروفها وأصواتها، على الرغم من أن موضوع النقد والبلاغة الأدب الذي هو فن لغوي أولًا.
(1) 31. انظر: ص63، انظر أيضًا: ص148، ص224 - ص225؛ قارن: الجاحظ، كتاب فصل ما بين العداوة والحسد، رسائل الجاحظ، 1/ 338 وما بعدها؛ الآمدي، الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، 1/ 389 - 396.
(2) 32. القرحة في وجه الفرس ما دون الغرّة، والأدهم الأسود (انظر: الفيروزآبادي، القاموس المحيط، مادة ق ر ح ومادة د هـ م) ، والمقصود بقرحة الأدهم هنا القلة والندرة.
(3) 33. أو تكون هذه المعرفة، كما يقول علي بن خلف الكاتب،"حاكمًا يُتحاكم إليه، ومحكًّا يُعرض من اعتزى إلى هذه الصناعة عليه"، مواد البيان، ص27.