فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 41

ابن سنان يريد أن يقدّم لطلاب النقد أصولًا ومبادئ تتجاوز الإطار الضيّق للبلاغة التقليدية لتشمل ما يمكن الاستفادة منه من دراسات النحاة والمتكلمين، في منهج تكاملي يؤازر فيه النحو علم الكلام في إغناء مبادئ البلاغة وتطويرها وارتياد آفاق جديدة لها. إنه يرى في ذلك مزيّة تفرّد بها كتابه عمّا ألّف في موضوعه:"فإذا جمع كتابنا هذا كلّه، وأخذ بحظ مقنع من كل ما يحتاج الناظر في هذا العلم إليه، فهو مفرد في بابه، غريب في غرضه" (ص15) . على أن علم الكلام هو الأثير إلى نفسه، وكتابه يتحدث عن مدى احتفائه بهذا العلم الذي يضعه في منزلة لا يرقى إليها علم النحو، وكأنه يرى في الاستعانة بعلم الكلام (بل والفلسفة كذلك، فإننا نجد لها حضورًا في كتابه) [1] ما يراه بعض البلاغيين من أهل زماننا هذا من ضرورة الاستفادة من العلوم العصرية كعلم النفس وعلم الاجتماع وغيرهما في الدراسة البلاغية [2] ، فقد يجوز لنا أن نقول إن الثقافة العصرية كانت تُطلب في تلك الأيام في علم الكلام وما يليه من الفلسفة والمنطق [3] .

-ح-

علم الفصاحة إذًا لا بد من صياغته في هيئة أصول أو مبادئ كلية هي مادة الدرس (أو محتواه كما يقول المربّون) ، كما أنها في الوقت نفسه طريقة في التعليم؛ فهي مضمون علم الفصاحة الذي يتألّف من مجموعها، وهي أيضًا الطريق التي يتعيّن على عالم الفصاحة سلوكها لنقل تجربته إلى الآخرين. على أننا ونحن نتناول الصياغة نفسها، فإن حديثنا إنما هو ألصق بطريقة التعليم منه بالمحتوى والمضمون، إذ يتصل الأمر ههنا بالأسلوب الذي يُتّخذ لتقديم ذلك المضمون ووضعه بين أيدي المتعلمين. وللمصطلحات والتعريفات والأمثلة في هذا الشأن أهمية خاصة؛ فأصول علم الفصاحة تتضمن مفاهيم توضع لها مصطلحات أو أسماء تدل عليها، وتعريفات تحدّدها، وتُختار لها أمثلة تجسّدها.

(1) 34. انظر مثلًا: ص15 (س6) ، ص37 - ص38، ص60 (الفقرة الأخيرة) ، ص93.

(2) 35. انظر: أمين الخولي، فن القول، ص262 - ص263؛ أحمد الشايب، الأسلوب، ص3، ص22؛ محمد علي رزق الخفاجي، علم الفصاحة العربية، ص12، ص419؛ محمد أبو موسى، التصوير البياني، ص24؛ خليل كفوري، نحو بلاغة جديدة، ص11.

(3) 36. لعل ذلك يظهر في حملة ابن قتيبة على أصحاب هذه الثقافة وسخريته منهم، انظر: أدب الكاتب، ص6 - ص9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت