هذا المذهب من وضوح واتساق وتماسك، أو ما يعتوره من أوجه الضعف وجوانب القصور.
-ب-
رأى ابن سنان الناس مختلفين في مفهوم الفصاحة، يتداولون مصطلحًا لا يعرفون حقيقة معناه، ومن ثمّ فإنهم يختلفون في تمييز الكلام الفصيح من غيره، لأنهم لا يحتكمون في ذلك إلى أصول مقرّرة ومعايير معلومة [1] . ولذلك فإن بيان مفهوم الفصاحة وشروطها هي الغاية التي أراد ابن سنان بكتابه أن يصل إليها:"اعلم أن الغرض بهذا الكتاب معرفة حقيقة الفصاحة، والعلم بسرّها"... (ص13) . ومن هنا اختار لكتابه عنوان"سرّ الفصاحة"؛ فإن في الفصاحة أسرارًا تخفى على الناس ومفهومها يكتنفه الغموض، وقد ألّف كتابه لكشف تلك الأسرار وإزالة ذلك الغموض [2] . ولكن ما الفائدة التي يجنيها المرء من معرفة الفصاحة؟ وما الغرض الذي وُجد علم الفصاحة أصلًا للوفاء به؟ والإجابة عن ذلك ضرورية في نظر ابن سنان؛ فإن معرفة المتأدّب وجه الحاجة إلى هذا العلم مما يحمله على الإقبال عليه والعناية به، فكان"من الواجب أن نبيّن ثمرة ذلك] العلم[وفائدته، لتقع الرغبة فيه" (ص13) .
يحرص ابن سنان على التنبيه على أهميّة العلم بالفصاحة وعظيم خطره، وأن"الدواعي إلى معرفة ذلك قوية، والحاجة ماسّة شديدة" (ص14) ؛ ذلك أن كلًا من طالب الأدب وطالب العلوم الشرعية جميعًا محتاج إليه [3] :"أما العلوم الأدبية، فالأمر في تأثير هذا العلم فيها واضح، لأن الزبدة منها والنكتة نظم الكلام على اختلاف تأليفه، ونقده ومعرفة ما يُختار منه مما يُكره. وكلا الأمرين]أي نظم الكلام ونقده [متعلّق بالفصاحة، بل هو مقصور على المعرفة بها، فلا غنى للمنتحل الأدب عمّا نوضحه ونشرحه في هذا الباب" ... (ص13 - ص14) .
(1) 7. انظر: ص13، قارن: ص63، ص285.
(2) 8. انظر: ص234، ص291.
(3) 9. انظر مثلًا ما يقوله أبو هلال العسكري في هذا الموضوع، كتاب الصناعتين، ص1 - ص3.