فهرس الكتاب
على ذلك، فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة: من كواكب سيارات، وثوابت وبحار وجبال وقفار، وأشجار ونبات وزروع وثمار، وحيوان ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص.
وقوله: {اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي في تعاقبهما وتقارظهما في الطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرًا، ويقصر الذي كان طويلًا، وكل ذلك تقدير العزيز العليم؛ ولهذا قال: {لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} أي دلالات لأولي العقول التامة الزكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليس كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم: {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} .
ثم وصف تعالى أولي الألباب، فقال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} قال علي بن أبي طالب و ابن عباس - رضي الله عنهم -، والنخعي وقتادة: هذا في الصلاة يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فعلى جنب، وثبت في «الصحيحين» : عن عمران بن حصين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطعْ فعلى جنبك» .
وقال سائر المفسرين: أراد به المداومة على الذكر في عموم الأحوال؛ لأن الإنسان قل ما يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاثة، نظيرة في سورة النساء: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} ، ولا تنافي بين المفسرين؛ لأنه غير ممتنع وصفهم بالذكر في هذه الأحوال وهم في الصلاة، والله أعلم.