فهرس الكتاب
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم.
وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية، فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير رانًا، ثم يغلب حتى يصير طبعًا وقفلًا وختمًا، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس، فصار أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد.
ومنها: فساد العقل، فإن العقل نور، والمعصية تطفئ نور العقل، ولابد إذا أطفئ نوره ضعف ونقص.
وقال بعض السلف: ما عصي الله أحد حتى يغيب عقله، وهذا ظاهر، فإنه لو حضر عقله لحجزه عن المعصية، وهو في قبضة الرب تعالى وتحت قهره، وهو مطلع عليه، وفي داره على بساطه، وملائكته شهود عليه ناظرون إليه، وواعظ القرآن ينهاه، وواعظ الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله، والاستخفاف به ذو عقل سليم؟
ومنها: أن المعصية تورث الذل، فإن العز كل العز في طاعة الله، قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا} أي فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله تعالى، وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك.
ومنها: أنها سبب لهوان العبد على ربه، وسقوطه من عينه.
قال الحسن: هانوا عليه فعصوره، ولو عزوا عليه لعصمهم، وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، قال تعالى: {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} .