فهرس الكتاب
وقوله تعالى: {وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ} أي مع دعوته الخلق إلى الله بادر هو بنفسه إلى امتثال أمر الله بالعمل الصالح الذي يرضي ربه، وقال: أي تلفظ بذلك إبتهاجًا وسرورًا، أنه منهم وتفاخرًا به مع قصد الثواب، وأنه من السالكين في طريقه.
وهذه المرتبة تمامًا للصديقين الذين عملوا على تكميل أنفسهم وتكميل غيرهم، وحصلوا على الوراثة من الرسل، كما أن من أشر الناس قولًا وفعلًا من كان من دعاة الضلال السالكين لسبله وبين هاتين المرتبتين المتباينتين اللتين ارتفعت إحداهما إلى أعلى عليين، ونزلت الأخرى إلى أسفل سافلين، مراتب لا يعلمها إلا الله وكلها معمورة بالخلق، قال تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} ، وقال تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} .
وبعد أن ذكر جل وعلا محاسن الأعمال التي بين العبد وربه ذكر محاسن الأعمال التي بين العباد بعضهم مع بعض ترغيبًا في الصبر على ما يحصل من الأذى في الله، ومقابلة إساءتهم بالإحسان، وعدم إمكان التسوية بينهما، وإشارة إلى أن مثل هذه المقابلة من شأنها أن تقلب العداوة إلى صداقة وولاء شديد، فقال: {وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ} أي ولا تستوي الحسنة التي يرضى بها الله ويثيب عليها، ولا السيئة التي يكرهها الله ويعاقب عليها.
قيل: الحسنة التوحيد، والسيئة الشرك، وقيل: الحسنة: المداراة، والسيئة: الغلظة، وقيل: الحسنة: العفو، والسيئة: الانتصار، وقيل: الحسنة: العلم، والسيئة: الفحش، وقيل غير ذلك، والذي تطمئن إليه النفس أنه لا وجه لتخصيص الحسنة بنوع من أنواع الطاعات، وتخصيص السيئة بنوع من أنواع المعاصي، فإن اللفظ أوسع من ذلك، والله أعلم.