الصفحة 524 من 1034

ثم أمر تعالى بإحسان خاص له موقع كبير، وهو الإحسان إلى من أساء، فقال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، فادفع سفاهته وجهله بالطريقة التي هي أحسن الطرق، فقابل إساءته بالإحسان إليه، والذنب بالعفو عنه, والغضب بالصبر، والإغضاء عن الهفوات والزلات، واحتمال المكاره، وكظم الغيظ، خصوصًا من له حق كبير عليك كالأقارب، والأصحاب، والجيران.

قال بعضهم:

وإن ساء مسيء فليكن لك في ... عروض زلته عفو وغفران

فإن قطعك فصله، وإن تكلم فيك غائبًا أو حاضرًا فاعف عنه، وعامله بالقول اللين، وإن هجرك وترك الكلام معك، فابذل له السلام وأطب له الكلام، فإنك إن صبرت على سوء أخلاقهم مرة بعد أخرى، ولم تقال سفههم بالغضب، ولا أذاهم بمثله، استحيوا من ذميم أخلاقهم، وتركوا قبيح أفعالهم، وخجلوا من مقالتهم عملهم بعملك، أنت تحسن وهم يسيئون، وتحلم وهم يجهلون.

ثم بين تعالى نتائج الدفع بالتي هي أحسن وأنها الفائدة العظيمة التي لا يُستهان بها، فقال: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} هذه هي الفائدة الحاصلة من الدفع بالتي هي أحسن، والمعنى: أنك إذا فعلت ذلك الدفع صار العدو كالصديق، والبعيد كالقريب، فانقلبوا من العداوة إلى المحبة، ومن البغض إلى المودة.

قال عمر - رضي الله عنه: ما عاقبت من عصى الله فيك، بمثل أن تطيع الله فيه.

وروي أن رجلًا شتم قنبرًا مولى علي بن أبي طالب، فناداه علي: يا قنبر، دع شاتمك واله عنه ترضي الرحمن، وتسخط الشيطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت