فهرس الكتاب
وقالوا: ما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه، ولله در القائل:
قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم ... إن الجواب لباب الشر مفتاح
فالصمت عن جاهل أو أحمق شرف ... أيضًا وفيه لصون العرض إصلاح
أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة ... والكلب يخشى لعمري وهو نباح
وقال الآخر:
ولَلَكَف عن شتم اللئيم تكرمًا ... أضر له من شتمه حين يشتم
وقال الآخر:
إن العداوة تستحيل مودة ... بتدارك الهفوات بالحسنات
وقال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} .
تنبيه إلى شرف هذه الطريقة: أي وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة والوصية المفيدة، ويعمل بها إلا الصابرون على تحمل المكاره، وتجرع الشدائد، وكظم الغيظ، وترك الانتقام، فإن ذلك يشق على النفوس ويصعب احتماله؛ لأن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان.
فإذا صبر الإنسان نفسه وامتثل لأمر ربه، وعرف جزيل الثواب، وعلم أن مقابلته للمسيء بجنس عمله لا تفيده شيئًا، ولا تزيد العداوة إلا شدة، وأن إحسانه إليه ليس بواضع قدره، بل من تواضع لله رفعه، وهان عليه الأمر، وفعل ذلك مرتاحًا متلذذًا مستحليًا له.
قال أنس: الرجل يشتمه أخوه، فيقول: إن كنت صادقًا غفر الله لي، وإن كنت كاذبًا غفر الله لك.