بها أنواع الروائح الطيبة والخبيثة والنافعة والضارة وليستنشق به الهواء فيوصله إلى القلب، فيتروح به ويتغذى به.
ثم لم يجعل في داخله من الأعوجاجات والغضون ما جعل في الأذن لئلا يمسك الرائحة فيضعفها، ويقطع مجراها وجعله سبحانه مصبًا تنحدر إليه فضلات الدماغ فتتجمع فيه، ثم تخرج منه، واقتضت حكمته أن جعل أعلاه أدق من أسفله؛ لأن أسفله إذا كان واسعًا اجتمعت فيه تلك الفضلات، فخرجت بسهولة، ولأنه يأخذ من الهواء ملأه ثم يتصاعد في مجراه قليلًا حتى يصل إلى القلب وصولًا لا يضره ولا يزعجه.
ثم فصل بين المنخرين بحاجز بينهما حكمة من ورحمة، فإن لما كان قصبة ومجرى سائرًا لما ينحدر فيه من فضلات الرأس ومجرى النفس الصاعد من جعل في وسطه حاجزًا لئلا يفسد بما يجري فيه فيمنع نشقه للنفس، بل إما أن تعتمد الفضلات نازلة من أحد المنفذين في الغالب، فيبقى الآخر للتنفس، وإما أن يجري فيهما فينقسم فلا يفسد الأنف جملة، بل يبقى فيه مدخل للتنفس.
وأيضًا فإنه لما كان عضوًا واحدًا وحاسةً واحدة، ولم يكن عضوين أو حاستين كالأذنين والعينين اللتين اقتضت الحكمة تعددهما، فإنه ربما أصيبت إحداهما أو عرضت لها آفة تمنعها من كمالها فتكون الأخرى سالمة فلا تتعطل منفعة هذا الحس جملة، وكان وجود أنفين في الوجه شيئًا ظاهرًا فنصب فيه أنفًا واحدًا، وجعل فيه منفذين حجز بينهما بحاجز يجري مجرى تعدد العينين والأذنين في المنفعة وهو واحد، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وشق سبحانه للعبد الفم في أحسن موضع وأليقه، وأودع فيه من المنافع وآلات الذوق والكلام وآلات الطحن، والقطع ما يبهر العقول عجائبه.
فأودعه اللسان الذي هو أحد آياته الدالة عليه، وجعل ترجمانًا لملك