الأعضاء مبينًا مؤديًا عنه، كما جعل الأذن رسولًا مؤديًا مبلغًا إليه، فهيء رسوله وبريده الذي يؤدي إليه الأخبار، واللسان بريده ورسوله الذي يؤدي عنه ما يريد.
واقتضت حكمته سبحانه أن جعل هذا الرسول مصونًا محفوظًا مستورًا غير بارز مكشوف كالأذن والعين والأنف؛ لأن تلك الأعضاء لما كانت تؤدي من الخارج إليه جعلت بارزة ظاهرة.
ولما كان اللسان مؤديًا منه إلى الخارج جعل له سترًا مصونًا لعدم الفائدة في إبرازه؛ لأنه لا يأخذ من الخارج إلى القلب، وأيضًا فلأنه لما كان أشرف الأعضاء بعد القلب ومنزلته منه منزلة ترجمانه ووزيره ضرب عليه سرادق يستره ويصونه، وجعل في ذلك السرادق كالقلب في الصدر.
وأيضًا فإنه من ألطف الأعضاء وألينها وأشدها رطوبة، وهو لا يتصرف إلا بواسطة الرطوبة المحيطة به، فلو كان بارزًا صار عرضة للحرارة واليبوسة والنشاف المانع له من التصرف، ولغير ذلك من الحكم والفوائد.
ثم زين سبحانه الفم بما فيه من الأسنان التي هن جمال له وزينة، وبها قوام العبد وغذاؤه، وجعل بعضها رحاء للطحن، وبعضها آلة للقطع فأحكم أصولها وحدد رؤوسها، وبيض لونها، ورتب صفوفها متساوية الرءوس، متناسقة الترتيب كأنها الدر المنظوم بياضًا وصفاءً وحسنًا.
وأحاط سبحانه على ذلك حائطين وأودعهما من المنافع والحكم ما أودعهما، وهما الشفتان فحسن لونهما وشكلهما ووضعهما وهيأتهما، وجعلهما غطاء للفم وطبقًا له، وجعلهما إتمامًا لمخارج حروف الكلام ونهاية له، كما جعل أقصى الحلق بداية له، واللسان وما جاوره وسطًا.
ولهذا كان أكثر العمل فيها له، إذ هو الواسطة، اقتضت حكمته أن