فهرس الكتاب
لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة، لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة ما لا يحصل لغيره فإن تنعم الأغنياء بما لا يقدر عليه تألم، وإن جاع أو جاع عياله تألم، وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه في المستقبل الذي يستعد له تألم، وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه تألم، فكل هذه ونحوها مصائب يؤمر بالصبر عليها والاحتساب ورجاء الثواب من الله عليها، والمراد بالضراء الوجع والمرض على اختلاف أنواعه من حمى وقروح ووجع عضو حتى الضرس والأصبع، فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك؛ لأن النفس تضعف والبدن يألم، وذلك في غاية المشقة على النفوس، فإنه يؤمر بالصبر احتسابًا لثواب الله تعالى.
وقوله: {وَحِينَ البَأْسِ} أي وقت القتال وجهاد العدو؛ لأن الجلاد يشق غاية المشقة على النفوس ويجزع من القتل أو الجرح أو الأسر، فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتسابًا ورجاء لثواب الله، وهذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الأشد؛ لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر، والصبر على القتال فوق الصبر على المرض.
وقوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} أي هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال فهؤلاء هم الذين صدقوا وأولئك هم المتقون؛ لأنهم اتقوا بفعل هذه الخصال نار جهنم؛ لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير تضمنًا ولزومًا؛ لأن الوفاء بالعهد يدخل فيه الدين كله، ولأن العبادات المنصوص عليها في هذه الآية أكبر العبادات، ومن قام بها كان بما سواها أقوم، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
مما يستفاد من الآية الكريمة: