الشيخ عبدالحميد الكبتي
ما أحوجنا إلى هذا الترتيب الدعوي، الذي يدل على إعمال الفكر، وترتيب الإحداثيات المهمة فيه، كي يكون العمل أنفع، وأجدى؛ ففي معرفة فروض الوقت ونوافله، بركة من السماء، فيكون ثمة القبول والتوفيق من عنده سبحانه وتعالى.
إن غياب هذا الفقه الجميل العالي (فقه الأولويات) يكون له آثار وخيمة، سواء في الدعوة وهمومها، أو فيما تؤول إليه، وهذا الفقه محل غياب عند كثير من الدعاة الأماجد، فضلًا عن عموم الأمة المباركة.
يقول الشيخ القرضاوي حفظه الله عن غياب هذا النوع من الفقه:"هذا الخلل الكبير الذي أصاب أمتنا اليوم في معايير أولوياتها، حتى أصبحت تُصغِّر الكبير، وتُكبِّر الصغير، وتُعظّم الهيّن، وتُهَوّن الخطير، وتؤخر الأول، وتقدم الأخير، وتهمل الفرض وتحرص على النفل، وتكترث للصغائر، وتستهين بالكبائر، وتعترك من أجل المختلف فيه، وتصمت عن تضييع المتفق عليه .. كل هذا يجعل الأمة اليوم في أمَس الحاجة، بل في أشد الضرورة إلى فقه الأولويات لتُبدئ فيه وتعيد، وتناقش وتحاور، وتستوضح وتتبين، حتى يقتنع عقلها، ويطمئن قلبها، وتستضيء بصيرتها، وتتجه إرادتها بعد ذلك إلى عمل الخير وخير العمل". فقه الأولويات للقرضاوي.
ولو أننا مزجنا هذا الطرح الراقي، مع نفحات رمضان، التي أُمرنا بالتعرض لها، وما فيه من بركات، نخلص إلى رباعية مائدة مباركة عالية، يحرص كل داعية نبيل أن يعرضها، إذ هو داعية لله تعالى على بصيرة.
أولًا: الدعوة إلى التقدم نحو القرآن الكريم، تقدمًا بفقه ونضج.
{شهر رمضان الذي أُنزِل فيه القرآن هُدًى للنَّاس وبيِّنات من الهدى والفرقان} .
هذا هو المعلم الأول، هداية الناس، والحرص على تبيان الهداية لهم، وربطهم بمصدر هذه الهداية الربانية - القرآن الكريم - ومصدر الفرقان في كل شيء، في الأفكار والقيم، وفي النفس والروح، وفي عالم الضمير والسلوك.