فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 107 من 206

إن كل تلك الاستفسارات وغيرها، تطرأ على مسيرة الحياة الفكرية من حين لآخر، وقد اتخذت في أوقات كثيرة سبيلا للتحامل والتشويه والنيل من القواطع والثوابت والمقدس تحت شعار العقلانية المبدعة التي حملت على غير محملها، وطوعت لقتل الإبداع العقلاني الأصيل، وإماتة الوسطية الإسلامية المعتبرة بإهدار عنصر الثبات والقطع فيها، والإيقاع في مجال الميوعة العقلية والانحلال الفكري والتيه السلوكي والحضاري.

ويمكن أن نزيل هذه البدعة الحضارية الخطيرة جملة وعموما في هذا السياق، على أن نبين ذلك تفصيلا في المباحث القادمة (1) .. لنقول إطلاقا كما ذكرت: إن كل المنظومة الشرعية، بأحكامها ونصوصها وتعاليمها وقرائنها ومقاصدها وأوصافها وعللها، لم تنزل إلى الوجود الكوني، ولم يترتب عليها الجزاء والنعيم الأبدي بجوار رب العالمين، ولم ينتظم على وفقها نظام الحياة وبناء الحضارات وغير ذلك، إن كل تلك المنظومة لم تنزل وتشرع إلا ليفهمها العقل، ويتحملها تنظيرا وممارسة، ولن يكون ذلك ميسورا إلا بإجراء عمل عقلي بناء، وفعل ذهني رائع، يمارس بتناسق وتنسيق مختلف ضروب ذلك الفعل العقلي من فهم واستنتاج، وتسوية وقياس، ومقارنة وموازنة، وترجيح وتنقيح، واستخلاص وإدراج، وتقعيد وتفريع، وغير ذلك من ضروب العمل العقلي والإبداع الذهني الذي نشهد آثاره مجسدة في ما وصل إليه البناء الحضاري العام من قيام النظم القانونية والقيمية والاجتماعية، ومن انبعاث لمحيط أرضي رائع بتشابك عمرانه ونمو مزروعاته، وثورة اتصالاته، وانتظام شبكة علاقاته المختلفة.

وليس تنزل منظومة الأحكام على مسرح الحياة في شتى نواحيها ومشكلاتها، إلا دليلا على تدخل العقل في صياغتها وتنفيذها بما قام به من أدوار معتبرة في الفهم والتحصيل والترتيب والتنسيق بين الأدلة نفسها، وبين تلك الأدلة والأوضاع المتنزلة فيها والناس المخاطبين بها.

الجزء الثاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت