ولذلك قد يكون من المفيد طرح قضية الاجتهاد باستمرار، واستدعائها إلى ساحة التفكير، ودراسة مراحلها التاريخية، وإعادة النظر في علم أصول الفقه أو أصول التفسير والاجتهاد، وعدم القفز من فوقه أو محاولة إلغائه وتجاوزه كما تسعى إلى ذلك بعض الاتجاهات الفكرية المعرفية الحديثة، التي تدعو إلى أسلمة المعارف، لأن ذلك ليس من العلم ولا التراكم المعرفي ولا الموضوعية، وإنما قد تكون المشكلة في الانحسار ضمن قوالبه القديمة، على الرغم من أن التطورات والمتغيرات والمعطيات الجديدة تقتضي تطويره وإعادة النظر بشروطه وضوابطه، وتوسيع دائرة التفاعل معه والمشاركة فيه، واستدعاء الكثير من التخصصات إلى ساحته، ليتم الإنتاج الفكري والمعرفي الإسلامي المقاصدي المعاصر.
وبعد:
فهذا الجزء الثاني من كتاب الاجتهاد المقاصدي، الذي يعتبر من كل الوجوه مكمّلًا للجزء الأول، عَرَضَ فيه الباحث لجوانب مهمة من بحث مسالك العلة عند الأصوليين والفقهاء، التي تعتبر محور الاجتهاد بجميع آفاقه، والتي تقتضي فقه الواقع أو الاجتهاد في محل النص، وتوفر الشروط المطلوبة لتنزيل النص على محله، ذلك أن فقه النص دون فهم الواقع الذي يعتبر محل التنزيل، يمثل نصف الطريق أو نصف الحقيقة التي توقف عندها الكثير من الفقهاء في هذا العصر، والتي سوف لا تحقق شيئًا إذا لم نفهم الواقع.
إن فقه الواقع لا يتحصل إلا بتوفر مجموعة من الاختصاصات في شُعب المعرفة، تحقق التكامل والعقل الجماعي، حتى إننا لنعتقد أن الفقه الصحيح للنص في الكتاب والسنة، يقتضي فهم الواقع محل النص في ضوء الاستطاعات المتوفرة .. وفي تقديرنا أن هذه هي المعادلة المطلوبة اليوم لقضية الاجتهاد، حتى يسترد العقل عافيته، والاجتهاد دوره، والوحي مرجعيته، ويقوَّم الواقع بقيم الدين، فهمًا وتنزيلًا.