وقد يكون الوجه الآخر للمشكلة يكمن في العجز عن إعادة النظر بشروط الاجتهاد في ضوء المعطيات العلمية والتقنيات الحديثة، التي وفرت الكثير من الأدوات التي كان مطلوبًا تحصيلها من الفرد فأصبحت مهيأة له، وفرت عليه الكثير من التفكير واحتمال خطأ الذاكرة، كما وفرت له الوقت ليصرف جهده كله إلى النظر والتفكير والاستنتاج والاجتهاد .. إضافة إلى أن القواعد الموضوعية لعلم أصول الفقه، وهي في أصلها اجتهاد، تحولت إلى قواعد فلسفية مجردة، عصية عن التشغيل في توليد الأحكام .. كما أن عمر الفرد المحدود في عصر التخصص الدقيق والاتساع في القضايا والمشكلات الإنسانية، أصبح لا يمكن أن يتسع لذلك كله، فكان لابد من عملية بناء العقل الاجتهادي المقاصدي الجماعي، الذي تشكل له الاختصاصات المتعددة الحواس السليمة لمصادر المعرفة التي يُبنى عليها الاجتهاد، وعلى الأخص أن الاجتهاد الفقهي والفكري لابد أن يكون لكل فرد منه نصيب، مهما كانت درجة ثقافته وكسبه العلمي، لأن الإسلام رسالة عامة وشريعة أمية والمطلوب من كل إنسان أن يتعامل معها، فقهًا وتنزيلًا، على حاله التي هو عليها، وبذلك تنفتح مجالات الحوار والمفاكرة، فيتخصب العقل، وتتمحص الحقائق، وتهزم الأخطاء والبدع، ويصح الصحيح، وتعود الفاعلية للأمة، ويتم الامتداد والتوليد، وينحسر التقليد والتلقين، ويسترد الإنسان إنسانيته وتكريمه وتميزه وحريته التي أرادها الله له.