والمقاصد التي تراعى في الاجتهاد، والتي لها ضوابطها وشروطها، إنما هي جملة المعاني الملحوظة في التصرفات الشرعية، والمتوصل إليها باستخدام الأدلة والمصادر التشريعية على نحو النص والإجماع والقياس والاستصلاح والعرف والاستحسان وغيره. لذلك فإن الكلام عن ضوابط وشروط المقاصد يمر حتمًا بالكلام عن ضوابط وشروط المصلحة المتوصل إليها بالاستصلاح المرسل والقياس والعرف وغير ذلك .
فتحديد تلك الضوابط والشروط لدى علماء الأصول والاجتهاد هو عينه ما اتصل بتحديد ضوابط وشروط تلك المصادر التشريعية المتعددة، ومختلف مباحث التأويل الشرعي السليم .
ومن هنا كان لزامًا على الباحث أن يبين ضوابط الاجتهاد المقاصدي من خلال بيان وعرض ضوابط كل من المصلحة المرسلة والعلة والعرف، وشروط التأويل الصحيح .
ضوابط المصلحة المرسلة
الضابط الأول: عدم معارضتها للنص أو تفويتها له:
النص من حيث دلالته على معناه وحكمه نوعان:
أ ـ النص القطعي:
هو النص المقطوع به ثبوتًا ودلالة، فالمقطوع به ثبوتًا هو المقطوع بنسبته إلى صاحبه، وهو يشمل القرآن الكريم والسنة المتواترة.
أما المقطوع به دلالة فهو الذي يحتمل معنى واحدًا وحكمًا واحدًا، ومثاله قوله تعالى: (قل هو الله أحد) ( الإخلاص:1) .
فالمصلحة التي يعول عليها المجتهد لا ينبغي أن تعارض نصًا قطعيًا، وذلك لأن هذا التعارض سيؤول حتمًا إلى تقرير التعارض بين القواطع الشرعية: أي بين النص القطعي ودليل المصلحة المرسلة وشاهدها البعيد، وهذا محال ومردود، لأنه موقع في اتهام الشارع بالتناقض والنقص والتقصير .. وكما هو معلوم فإنه لا يجوز للمصالح الحقيقية أن تعارض نصًا قطعيًا، وذلك لأن تلك المصالح جارية على وفق نصوصها وأدلتها القطعية، وما يدعى من وجود التعارض بينهما، ومن وجوب تقديم المصلحة على النص القطعي، إنما آيل في الحقيقة إلى ما يلي: