تثبت السنة من حيث المبدأ والعموم، وجود مقاصد الأحكام، ووجوب اعتبارها ومراعاتها، وما قيل في مقاصدية القرآن الكريم يمكن أن يقال في مقاصدية السنة الشريفة من جهة كونها مبينة لأحكام القرآن وشارحة ومدعمة لها، ومن جهة كونها مبرزة لمقاصده وأسراره . قال ابن عبد البر: (... وتبين المراد منه(1) ، أي أن السنة تبين مراد القرآن ومقاصده . فالنواحي المقاصدية التي أقرها القرآن الكريم في الجملة، هي نفسها التي عملت السنة الشريفة على إبرازها وتأكيدها وتفصيلها وتفريعها، بحكم العلاقة الوثيقة بينهما في بيان الشرع وتحديد مقاصده وأسراره قال الشاطبي: ( وذلك أن القرآن الكريم أتى بالتعريف بمصالح الدارين جلبا لها، والتعريف بمفاسدها دفعا لها... وإذا نظرنا إلى السنة وجدناها لا تزيد على تقرير هذه الأمور، فالكتاب أتى بها أصولا يرجع إليها، والسنة أتت بها تفريعا على الكتاب وبيانا لما فيه منها ) (2) .
-فمن السنة تستفاد غايات الوجود الكوني وأهداف الحياة الإنسانية، ويتبين المقصد الكلي المتعلق بتحقيق عبودية الخالق وإصلاح المخلوق .
-ومنها استخلصت وفصلت الكليات الخمس الشهيرة ( حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال ) . قال الشاطبي: ( فالضروريات الخمس كما تأصلت في الكتاب تفصلت في السنة ) (3) ، فقد أقرت السنة كما أقر القرآن مختلف الأحكام التي أكدت شرعية وقطعية تلك الكليات المعتبرة في كل أمة وملة، على نحو كلية حفظ العرض والنسل، التي تواترت على تثبيتها أدلة تشريع الزواج وتيسيره ومدحه، ومنع الزنا واللواط والسحاق، وسد المنافذ المؤدية إلى الشذوذ والانحراف، ومنع الخلوة، والحث على الصوم والطاعة والصبر عند انعدام الباءة، والحث على الستر والعفة والتحوط والحياء، وإقامة الحدود والتعزيرات، وغير ذلك من جزئيات الأدلة والأحكام المؤكدة لتلك الكلية القطعية الأصيلة، المعتبرة في كل الأمم وسائر الأعصار .