عصر أئمة المذاهب كما ذكرنا، كان تتويجا لمسيرة الاجتهاد الشرعي في العصر النبوي وعصر الصحابة والتابعين، فقد تبلورت الآراء والمناهج والمدارس الفقهية لتأخذ طابع التدوين والتأليف، فبرزت المذاهب الفقهية، وظهر منهج استنباط الأحكام الذي اصطلح على تسميته بعلم أصول الفقه، وظهرت الاصطلاحات الفقهية، وبعض القواعد الشرعية الكلية، ودونت السنة الشريفة وبعض مباحث لغة القرآن الكريم على نحو العروض والنحو، وغير ذلك (3) .
إن الغرض من حركة التدوين، هو وضع المنهج الإسلامي الصحيح -فهما وتطبيقا- في تثبيت دعائم الشريعة وغرس جذورها وبناء أركانها، فقد جدت في ذلك العصر عدة عوامل وحوادث يحتمل أن تحدث بعض الأخلال والنواقص في التعامل مع المنهج الإسلامي، سواء بالتعسف في فهمه واستيعابه وتأويله والوقوف على حافتي الإفراط والتفريط والمبالغة في الظاهر والإغراق في التأويل بما لا يستجيب لغاياته ومقاصده ومراميه، أو بتعمد إبطاله وتعطيله وتمييعه تحت مسميات كثيرة وادعاءات مختلفة ليس لها أدنى ما يزكيها ويصدقها من الوجهة الشرعية والاعتقادية.
فقد دونت السنة لمواجهة عمليات الوضع، وتمكين دورها في التشريع ومكانتها بين المسلمين، ودون أصول الفقه لضبط معيار استنباط الأحكام، شرعا ولغة، وعقلا ومقصدا، ولمواجهة احتمال نتائج ضعف اللسان العربي بسبب اختلاطه بألسنة أخرى، وما يترتب على ذلك من أخلال في فهم النصوص الدينية التي نزلت وفق العربية وأساليبها وخصائصها، ومن إهدار لمعانيها ومدلولاتها وأغراضها ومقاصدها.. وأيضا فقد وضع منهج الاستنباط لمواجهة الحوادث المتكاثرة والأقضية المتعددة التي حصلت بموجب كثرة الفتوح واتساع الدولة الإسلامية، وترامي أطرافها وضخامة أعمالها وأعبائها، فقد كان من اللازم وضع القواعد الكلية والأسس العامة، ورسم منهج التأويل والاستنباط، للتصدي لكل ذلك وتأكيد صلاحية الإسلام لكل عصر ومصر.
* مقاصدية عدم التدوين: