قد يبدو وجود التناقض بين هذا العنصر والذي قبله، إذ هما متعارضان في المحل الواحد وهو التدوين، غير أن تحقيق ذلك يزيل التعارض الملحوظ ويعطي لكل عنصر مدلوله المتعلق به.
فقد كان عصر أئمة المذاهب يحتاج إلى تدوين ما ينبغي تدوينه، كمنهج الاستنباط الأصولي، وعلم السنة والعروض، وغير ذلك مما كان في تدوينه مصلحة معتبرة للمسلمين في زمانهم وفي غير زمانهم.. وهذا بخلاف بعض المسائل التي لم تدع الحاجة إلى تدوينها، بل تعينت الضرورة عند البعض على الأقل إلى عدم تدوينها، لما فيه من المصلحة المعتبرة العائدة على الناس في كل زمان وحين، فقد روي عن الإمام مالك كراهته لكتابة العلم، وامتناعه عن تلبية دعوة أبي جعفر المنصور في وضع مدونة للفقه والأحكام، كما ذكر أنه لم يدون منهجه في الاستنباط كما فعل الشافعي، وأنه كان يدعو إلى تحاشي التنظير المبالغ فيه وإلى تأكيد واقعية الفقه -دعها حتى تقع- وإلى معالجة ما يقع من المسائل في ميدان الواقع لا فيما يتخيله الذهن ويفترضه، كما هو الحال في الفقه الذي اشتهر بكثرة الافتراضات والاحتمالات، والذي عرف بالفقه الافتراضي أو التقديري أو الأرأيتي .
وليس كل هذا إلا دليلا على أن تدوين الفقه والفتاوى في ذلك العصر، قد يؤدي إلى تجميد الفقه نفسه، وإلى تعطيل حركة الاجتهاد وقتل روح الإبداع، وإذابة السمات الواقعية والحيوية والثراء لمنهج الاستنباط، والتعامل مع المستجدات والتحولات المختلفة، التي لا تقدر الفتاوى المنقولة والمجردة من أدلتها ومناطاتها على فهم طبائعها وبيان أحكامها، كما يؤدي إلى تضييق دائرة السعة والرحمة التي مثلتها مختلف المدارس الفقهية وآراء الفقهاء المتوزعين في الأمصار والمتفاوتين في الفهوم والقرائح والاجتهادات، وفيما وصلهم من سنن ومرويات وآثار، وفيما أدركوه من حوادث وأعراف وأقضية .