فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 33

لقد ترامت إمبراطوريتهم الناهضة وضمت مراكز الحضارات الأسبق في مصر والعراق والشام وفارس وجيرانها الآسيويين. وحتى الصين التي لم يفتحها العرب ولم يطأها جندي مسلم واحد تكفلت طرق الحرير والقوافل التجارية بنقل تراثها الثقافي الزاخر إلى العرب. وأصبح في متناول أيديهم كل التراث العلمي السابق عليهم تقريبا , في الحضارات الشرقية القديمة والتراث الإغريقي والسكندري, ليتفاعل مع تفتحهم الذهني وتسامحهم العقلي وعوامل شتى في حضارتهم التي كانت دافقة, وعبقريتها من ذوي الملل والأجناس الشتى, فتشكلت أهم مراحل العلم القديم وغايته وقمته بإبداعاتهم الرائعة في شتى فروع العلم.

وكان العرب المسلمون أمة جديدة بلا تراث علمي سابق, فقرأوا التراث الفكري للقدماء بعقول متفتحة بلا خلفيات تعوقهم, ولذلك وقفت الثقافات الإغريقية واللاتينية والهندية والصينية جميعا بالنسبة لهم على قدم المساواة. وكان من نتائج هذه العقلية المتعطشة للمعرفة عند المسلمين أنهم أصبحوا بالفعل المؤسسين الحقيقيين لمفهوم العالمية في المعرفة أو وحدة المعرفة الإنسانية. وهي إحدى السمات بالغة الأهمية بالنسبة للعلم الحديث.

العرب في هذا التفتح الواعد لم يرتدوا عن إيمانهم بالله أو تهاونوا في أخذ الدين مأخذ الجد, بيد أن تعصبهم انحسر, وتنامى إحساسهم بمغزى التناسب, فشرعوا في تفهم واستيعاب فضائل النزعة الإنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت