على أنه يلاحظ أن معجزة القرآن تختلف عن معجزات الرسل السابقين عليهم السلام. معجزات الرسل عليهم السلام خرقت النواميس وتحدت وأثبتت أن الذي جاءت على يديه رسول صادق من الله سبحانه وتعالى, ولكنها معجزات كونية من رآها فقد آمن بها ومن لم يرها صارت عنده خبرا إن شاء صدقه وإن شاء لم يصدقه. ولو لم ترد في القرآن لكان من الممكن أن يقال إنها لم تحدث إذن. فالمعجزة الكونية المحسة أي التي يحس بها الإنسان ويراها تقع مرة واحدة من رآها فقد آمن بها ومن لم يرها تصبح خبرا بعد ذلك. ولكن معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معجزة عقلية باقية خالدة شيء آخر. فإذا نظرنا إلى المعجزات السابقة وجدنا هذه المعجزة فعلا من أفعال الله وفعلا من الممكن أن ينتهي بعد أن يفعله الله, البحر انشق لسيدنا موسى عليه السلام ثم عاد إلى طبيعته. النار لم تحرق سيدنا إبراهيم عليه السلام ولكنها عادت إلى خاصيتها بعد ذلك ولكن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم صفة من صفات الله وهي كلامه والفعل باق بإبقاء الفاعل له والصفة باقية ببقاء الفاعل نفسه.
ويلاحظ أيضا في معجزة القرآن أنها اختلفت عن معجزات الرسل عليهم السلام اختلافا آخر. كل رسول كانت له معجزة وله كتاب منهج. معجزة سيدنا موسى عليه السلام العصا ومنهجه التوراة ومعجزة عيسى عليه السلام الطب ومنهجه الإنجيل. ولكن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم معجزته هي عين منهجه ليظل المنهج محروسا بالمعجزة وتظل المعجزة في المنهج. ومن هنا فقد كانت الكتب السابقة للقرآن داخلة في نطاق التكليف بمعنى أن الله سبحانه وتعالى كان يكلف عباده بالمحافظة على الكتاب. أما القرآن الكريم فقد قال الله سبحانه وتعالى عنه:"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . (الحجر ـ 9) لماذا?"
أولا: لأن القرآن معجزة وكونه معجزة لا بد أن يبقى بهذا النص وإلا ضاع الإعجاز.