فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 232

إن كاتبنا لم يستطع أن يفهم أمرا في غاية البساطة: هو أن الحقيقة لا تحتاج إلي الواقع الخارجي ، وإنما الواقع الخارجي هو الذي يكون في حاجة إلي (الحقيقة) . . فالحقيقة أن لهذا الكون إلها وسوف نمثل أمامه يوم الحساب. فلابد لكل منا- سواء أكان روسو أم كان مواطنا عاديا- أن يكون وفيا ومطيعا لإلهه ؛ فنجاتنا لن يحققها جحودنا بل هي تمكن في إيماننا وطاعتنا. . والغريب أن كاتبنا لم يرق له أن يطالب (جوته) و (روسو) أن يسلكا مسلك الحق ، وإنما طالب الحق بالتغيير! ولما لم يطع الحق راح ينكره! ! وهذا أشبه بمن ينكر قانون حفظ الأسرار العسكرية الذي يكرم أحيانا جنديا بسيطا ويعدم عالما ممتازا ، مثل (روزنبيرج وعقيلته الحسناء) بالكرسي الكهربائي! !

إنه لا يوجد علي سطح الأرض من يفكر في (الغد) غير الإنسان. فهو يتميز عن سائر الحيوانات بدوام تفكيره في المستقبل ، وجهاده المتواصل ، وسعيه الدائب في سبيل تحسين أحواله. ولا شك أننا قد نجد بعض الحيوانات تعمل لمستقبلها ؛ كالنمل الذي يدخر غذاءه للشتاء القادم ؛ والطيور التي تصنع أعشاشا يسكنها أولادها بعد فقسهم ، ولكن هذا العمل لدي الحيوانات يعتبر (غريزيا) ، فهو صادر عن غير شعور بالمسئولية ؛ إنها تقوم بهذه الأعمال لقلقها من مشكلات الغد ، وإنما تأتي بها طبيعيا ، ومن ثم تنتفع بها في المستقبل فالتفكير في المستقبل يتطلب فكرا مدركا واعيا ، وهو من ميزات الإنسان فحسب ،ولا يتمتع به شيء من الحيوانات غيره.

هذا الفرق الكبير بين الإنسان والحيوان يؤكد أنه لابد أن تكون للإنسان مواقع أكثر بالنسبة إلي أي نوع آخر للانتفاع بها ، فحياة الحيوانات هي ما تسمي (حياة اليوم) ، ففكرة الغد لا توجد عندها ولكن مطالعة حياة الإنسان تقتضي (غدا) ، ولو أنكرنا هذه الحاجة لخالفنا الطبيعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت