فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 232

ويعتقد بعض العلماء والفلاسفة أن خيبة آمال الإنسان في حياته الراهنة هي التي تجعله يفكر في حياة أفضل ، وهم يرون أن هذا الفكر سوف يتلاشى لو أتيح للإنسان مجتمع رفاهي كامل. فقد اعتنق عدد كبير من أسري الروم المسيحية لأنها وعدتهم بأفراح السماء. . ولذا تتوقع هذه الطائفة من العلماء والفلاسفة أن سعادة الإنسان ورفاهية المجتمع سوف تزداد أكثر فأكثر إلي أن تقضي نهائيا علي نظرية (العالم الآخر) .

ولكن تاريخ الأربعمائة سنة الأخيرة-التي ازدهرت فيها العلوم والتكنولوجيا- يكذب هذا التوقع ؛ فإن أول ما هيأ التقدم التكنولوجي للإنسان أنه أتاح له وسائل عديدة احتكرتها أيد محدودة قامت بدورها باستغلالها ، وقضت علي صغار العمال والحرفيين ، وحولت تيار الثروات إلي كنوزها وخزائنها ، وجعلت من الشعب عمالا فقراء معوزين ، ويمكن مطالعة هذه المناظر القبيحة التي جاءت نتيجة للتقدم التكنولوجي ، في كتاب كارل ماركس (رأس المال) ، الذي يعتبر ضجيجا للطبقة العمالية التي عاشت القرنين الثامن والتاسع بعد الألف ثم بدأت ردود فعل هذا الضجيج وتبعه كفاح طويل قامت به المنظمات العمالية ، حتى تحسنت الأحوال إلي حد ما. ولكنني أري أن التغير الذي طرأ علي أحوال العمال ليس إلا ظاهريا ؛ فعامل اليوم يتقاضى أكثر مما يتقاضاه بالأمس ، أما السعادة الحقة فإنه أكثر افتقادا لها من سلفه. . ذلك أن النظام التكنولوجي لم يعط الإنسان أكثر من مظاهر مادية ، فهو لا يملك القيم الروحية ، حتى يمنح لأتباعه السعادة والطمأنينة القلبية ، وما أصدق ما قاله الشاعر (Blake) عن إنسان الحضارة الحديثة:

(كل وجه تري عليه سمات فيه ضعف ، وفيه ذل وحقد)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت