فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 232

وكان الرسول يجاهد في سبيل رسالته السامية علي كل هذه الجبهات: قوة المشركين ، والرأسمالية اليهودية ، والطابور الخامس. وقد وقف أمام هذا الطوفان الطاغي وقفات رائعة لا مثيل لها ، ولم يسانده في مواقفه غير حفنة من المهاجرين والأنصار ، وجماعة من العبيد. ومما لا شك فيه أنه قد انضم إليه بعض كبار قريش ، ولكن سرعان ما انقطعوا عن أهلهم وذويهم ، وعادتهم قريش كمعاداتها للنبي.

وقد سارت هذه الحركة بمكة قدما ، تكافح وتناضل ، حتي اجتمع شملهم في المدينة المنورة ، وهم في أشد حالات العوز والفقر ، بعد ما تركوا ثرواتهم في مكة- موطنهم الأصلي. ويمكن قياس بؤس هؤلاء المهاجرين بتلك الجماعة التي عاشت في المسجد النبوي ، حيث لم تكن لديهم بيوت ، وكانوا ينامون علي (صفة) في فناء المسجد النبوي ، فأطلق عليهم (أهل الصفة) . ومما روي في كتب التاريخ أن تعداد هؤلاء الصحابة الكرام ، الذين عاشوا علي (الصفة) ، بلغ في بعض الأحيان أربعمائة صحابي.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب ، فمنهم من يبلغ ركبتيه ، ومنهم من هو أسفل من ذلك ؛ فإذا ركع أحدهم قبض عليه مخافة أن تبدو عورته. .

وعنه (أبي هريرة) رضي الله عنه أنه قال: (لقد رأيتني أصرع بين منبر رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وبين حجرة عائشة رضي الله عنها ، فيقول الناس: إنه مجنون ، وما بي جنون ، ما بي إلا الجوع!) .

وفي هذه الحالة البائسة ، حيث كان المسلمون في أسوأ أحوالهم ؛ مكشوفين في عراء المدينة المنورة ، خائفين يترقبون الأعداء من كل جانب ، مخافة أن يختطفون في أي وقت ؛ في هذه الحالة نجد القرآن يبشرهم مرة بعد أخري:

(كتب الله لأغلبن أنا ورسلي(140 ) )

وقال أيضا:

(يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ، ولو كره المشركون(141 ) ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت