ومن البله أن نظن أن أخبار السلف هدف ثقافي يقصد لذاته كمتعة عقلية دون أن يكون من وراء ذلك مشروع إنهاض وخطة توعية من أجل صنع الحاضر والتأثير في الأجيال القادمة ، حسب هؤلاء السلف أنهم كانوا أمثلة مسهمة في صنع عصرهم وتوجيه معاصريهم ، ثم مضوا عليهم من الله رضوان ومن الناس سلام.
وجاء من بعدهم خلف أصبح بعد حين سلفا بعد أن مضى إلى الرفيق الأعلى مخلفا كذلك تركة من السلوك ومن الكفاح هي جزء من تاريخ أمتنا.
وجاء جيلنا ليتوهم أو ليراد له أن يتوهم أنه مجرد وارث لأجيال سابقة عليه أن يستغل تركتها في خلق ملذاته ، فإذا ما جوبه بتحديات عصره لجأ إلى المباهاة بتراثه ، المباهاة وحدها المتمثلة في أكثر الكتابات المنشورة التي لا تمل أن تحكى وتحكى ، حكايات في حكايات ، وتقف أحيانا مستعلية من فوق منبر لتمطر على الحضور وعظا في وعظ دون أن تبلغ في ظن الجماهير أن تهز وجدانا أو حتى تحرك قشة.
إن أخص صفات عصرنا هي أنه ينتج من الأفكار بقدر ما ينتج من الأشياء ، وليس من الضروري أن نتطلب من الأفكار المنتجة أن تكون نافعة دائما كالأشياء ، فإن المجتمعات التي تصدر إلينا أشياء الحضارة ترى في الأفكار سلعة ينبغي أن تتغير كل يوم كما تتغير طرز الأشياء ولذلك يقف مثقفونا مبهورين أمام موجودات الفكر الواردة من الخارج ماذا يأخذون ، وماذا يدعون؟ بل قل: ماذا يقرءون ، وماذا يترجمون؟ . . ولا شيء أكثر من هذا. . . يكفيهم أن يستطيعوا ملاحقة الأفكار دون أن يكون عليهم أن يواجهوها ، أو ينقدوها ، فهم إلى أن يصوغوا نقدا معينا لأحد الاتجاهات الجديدة نسبيا يكون الوقت قد فات ، وتقادم بمرور الزمن من ينقدون ، وغطت عليه أفكار أخرى أشد لمعانا وأكثر جاذبية وإشعاعا.