فهرس الكتاب
وهكذا نجد أن التجربة والمشاهدة ليستا وسيلتي العلم القطعيتين ، وأن العلم لا ينحصر في الأمور التي شوهدت بالتجربة المباشرة. لقد اخترعنا الكثير من الآلات والوسائل الحديثة للملاحظة الواسعة النطاق ، ولكن الأشياء التي نلاحظها بهذه الوسائل كثيرا ما تكون أمورا سطحية وغير مهمة نسبيا ، أما النظريات التي يتوصل إليها بناء على هذه المشاهدات فهي أمور لا سبيل إلى ملاحظتها ، والذي يطالع العلم الحديث يجد أن أكثر آرائه (تفسير للملاحظات) وأن هذه الآراء لم تجرب مباشرة ، ذلك أن بعض الملاحظات يحمل العلماء على الإيمان بوجود بعض الحقائق غير مشاهدة قطعيا ، فأي عالم من علماء عصرنا لا يستطيع أن يخطو خطوة دون الاعتماد على ألفاظ مثل: (القوة) Force ، و (الطاقة) Energy ، و (الطبيعة) Nature ، و (قانون الطبيعة) Law of Nature ، وما إلى ذلك. ولكن هذا العالم لا يدرى ما (القوة والطاقة والطبيعة وقانونها) ؟ فهو قد صاغ كلمات تعبر عن وقائع معلومة ، لكي يبين عن علل غير معلومة ، وهذا العالم لا يقدر على تفسير هذه الألفاظ تماما كرجل الدين ن لا يستطيع تفسير صفات الإله ، وكلاهما يؤمن-بدوره-بعلل غير معلومة.
يقول الدكتور ( الكسيس كيرل) :
(إن الكون الرياضي شبكة عجيبة من القياسات والفروض لا تشتمل على شيء غير(معادلة الرموز) ؛ الرموز التي تحتوى على مجردات لا سبيل إلى تفسيرها) (31) .
والعلم الحديث لا يدعى ولا يستطيع أن يدعى أن الحقيقة محصورة فيما علمناه من التجربة المباشرة ، فالحقيقة أن (الماء سائل) . ونستطيع مشاهدة هذه الحقيقة بأعيننا المجردة ، ولكن الواقع أن كل (جزيء) من الماء يشتمل على ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأكسجين وليس من الممكن أن نلاحظ هذه الحقيقة العلمية ، ولو أتينا بأقوى ميكروسكوب في العالم ، غير أنها ثبتت لدى العلماء لإيمانهم بالاستدلال المنطقي.
ويقول البروفيسور ا. ى. ماندير: