فهرس الكتاب
تغيرها ، فإننا نجد أنفسنا بحاجة إلى مصطلحات كثيرة لتغطية الفارق الكبير بين
الحجاب الشرعي والحجاب الواقعي .
ولمعرفة حجم التنافر بين المفهومين الشرعي والواقعي للحجاب يمكن أن نقلب
مفردات المفهوم الشرعي كلها ، ورغم ذلك يحتمل الواقع أن يطلق عليها: محجبة ،
لمجرد غطاء رأسها ، واستعراض الأشكال المنتشرة للحجاب في المجتمع يثبت
ذلك ؛ فهناك غطاء الرأس مع كشف بعض الشعر والرقبة وجزء من الصدر والساقين ، وقد تكون الملابس ضيقة أو متشبهة بالرجال ، ثم غطاء للرأس والرقبة والصدر مع ملابس طويلة ولكنها زينة في نفسها ، وقد تكون ضيقة تصف الجسم ، أو معطرة ، ثم الخمار الطويل الذي يستر البدن مع كشف الوجه والكفين ، ثم الحجاب الكامل الذي يحقق الشروط كلها .
ومن أهم أسباب هذا التذبذب الخطير في مستوى الحجاب الحرب المتصاعدة
ضده من بداية الثمانينيات ، واستخدام مكيدة التطرف والاعتدال في هذه الحرب ،
وأيضًا وجود طائفة من المتبرجات اللاتي هرولن نحو"الحل الوسط"تخلصًا من
الحرج الاجتماعي الضاغط الذي سبب انتشار الحجاب .. ومنها غلبة البعد الرمزي
للحجاب لدرجة تفرغه من مضمونه الشرعي في أحيان كثيرة .
ومن الأسباب الهامة: استدراج فئة كبيرة من الكُتَّاب والمفكرين الإسلاميين
المتبنين للاتجاه التنويري في هذه المعركة والاكتفاء منهم بالهجوم على أشكال معينة
من الحجاب يتهمونها بالغلو والتطرف ، استنادًا على قاعدتهم الذهبية في تطويع
الشرع للواقع ، لا العكس ، وأن وسطية الشرع تكون بجعل الظرف الواقعي هو
الأساس في استصدار الأحكام ووضع التصورات ، وهذا لا شك في خطئه ؛ فمع
تغير الواقع تكون الإرادة المطَّردة للتوسط بينه وبين ثوابت الشرع تعني أن ننادي
غدًا بما نستنكره اليوم ، حتى يأتي علينا وقت لا يبقى من الدين إلا أن ننوي أحكامه
ونفعل ضدها .
ومن الشواهد القوية على صحة هذا الرأي ، موقف أحد التنويريين [29]