فهرس الكتاب
أن الأديان العلمانية ذاتها أخذت تتعرض للسقوط واحدًا تلو الآخر ؛ بفعل النقد الذي
وجّه لها من داخلها أو من خارجها .
ومع ذلك السقوط المتتالي للأديان العلمانية ، نشأت مشكلة في مجمل الوضع
العلماني الذي أصبح محور وجود وفكر المجتمعات الغربية ، ذلك لأن الأديان
الوضعية أصبحت تؤدي وظائف مهمة على مدى القرنين الماضيين داخل هذا
الوضع العلماني ؛ فهى التي تزوده بالسند الفكري و (الروحي) إن جاز التعبير ،
وترسم رؤيته للحياة ، وتحدد الأهداف والمثل التي توضع للمجتمعات لتحقيقها ، كما
أن هذه الأديان الوضعية هي التي تضمن للغرب إحساسه بالتفوق على الآخرين
بحكم امتلاك (الحق) و (العلم) و (اليقين) ، فضلًا عن أنها هي التي ضمنت للغرب
إضفاء غطاء فكري على حركة الاستعمار ، ثم الاستعمار الجديد ، ثم النظام
الرأسمالي الدولي ، وأخيرًا النظام العالمي الجديد ، وكلها موجهة ضد ما يسمى
بالعالم الثالث ، وهو في الحقيقة العالم الإسلامي ، فالغرب وهو يحتل ويستغل
وينهب موارد العالم الإسلامي: يفعل ذلك تحت شعار هذه المبادئ والعقائد العلمانية
(النبيلة ! ) و (السامية ! ) ، والأهم من ذلك: أن الوضع العلماني المسيطر في
الغرب أدرك أنه لضمان استمرارية النهب والسيطرة فلابد من إلغاء الدين ، الذي
يبعث في نفوس المحتلين الثورة والرفض ، وإحلال المذاهب العلمانية نفسها محله
كأديان جديدة ، تضمن أن الأجيال الناشئة والطبقات الحاكمة في ذلك (العالم الثالث)
ستكون تابعة للغرب ؛ لأنها تشاركه أفكارها ، بل وتعتبرها المنقذ الوحيد لها ،
وتفرضها على شعوبها بالحديد والنار .
لهذه الوظائف الحيوية التي تلعبها المذاهب العلمانية داخل الغرب وخارجه في
ظل سيطرة الوضع العلماني: كان لابد كهدف اجتماعي حيوي من تجديدها كلما
شاخت ، أو اختراع بديل كلما سقط دين منها ، وأصبحت هذه المهمة ملحة في الربع