فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 241

أن الأديان العلمانية ذاتها أخذت تتعرض للسقوط واحدًا تلو الآخر ؛ بفعل النقد الذي

وجّه لها من داخلها أو من خارجها .

ومع ذلك السقوط المتتالي للأديان العلمانية ، نشأت مشكلة في مجمل الوضع

العلماني الذي أصبح محور وجود وفكر المجتمعات الغربية ، ذلك لأن الأديان

الوضعية أصبحت تؤدي وظائف مهمة على مدى القرنين الماضيين داخل هذا

الوضع العلماني ؛ فهى التي تزوده بالسند الفكري و (الروحي) إن جاز التعبير ،

وترسم رؤيته للحياة ، وتحدد الأهداف والمثل التي توضع للمجتمعات لتحقيقها ، كما

أن هذه الأديان الوضعية هي التي تضمن للغرب إحساسه بالتفوق على الآخرين

بحكم امتلاك (الحق) و (العلم) و (اليقين) ، فضلًا عن أنها هي التي ضمنت للغرب

إضفاء غطاء فكري على حركة الاستعمار ، ثم الاستعمار الجديد ، ثم النظام

الرأسمالي الدولي ، وأخيرًا النظام العالمي الجديد ، وكلها موجهة ضد ما يسمى

بالعالم الثالث ، وهو في الحقيقة العالم الإسلامي ، فالغرب وهو يحتل ويستغل

وينهب موارد العالم الإسلامي: يفعل ذلك تحت شعار هذه المبادئ والعقائد العلمانية

(النبيلة ! ) و (السامية ! ) ، والأهم من ذلك: أن الوضع العلماني المسيطر في

الغرب أدرك أنه لضمان استمرارية النهب والسيطرة فلابد من إلغاء الدين ، الذي

يبعث في نفوس المحتلين الثورة والرفض ، وإحلال المذاهب العلمانية نفسها محله

كأديان جديدة ، تضمن أن الأجيال الناشئة والطبقات الحاكمة في ذلك (العالم الثالث)

ستكون تابعة للغرب ؛ لأنها تشاركه أفكارها ، بل وتعتبرها المنقذ الوحيد لها ،

وتفرضها على شعوبها بالحديد والنار .

لهذه الوظائف الحيوية التي تلعبها المذاهب العلمانية داخل الغرب وخارجه في

ظل سيطرة الوضع العلماني: كان لابد كهدف اجتماعي حيوي من تجديدها كلما

شاخت ، أو اختراع بديل كلما سقط دين منها ، وأصبحت هذه المهمة ملحة في الربع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت