فهرس الكتاب
ربع قرن ، وهذا التشبيه يدل على مفتاح أساسي من مفاتيح فهم وتحليل هذه الظاهرة ، يعني: على تجاوز جوانبها السطحية والنفاذ إلى أعماقها .
إن جوهر (الفمنزم) يكمن في الظاهرة العامة التي عرفها تاريخ الفكر
والممارسة الغربية على مدى القرنين الماضيين ، ألا وهي: ظاهرة وضع أديان
وعقائد بشرية وضعية لتجنب الدين الموحى به ، وسواء اعتقدنا أن هناك مؤامرة
يهودية ماسونية علمانية وراء هذه الظاهرة ، أم لا ، فإننا لا نملك إلا أن نرصدها ،
بدءًا من العوالم والمدن المثالية التي حفل بها تاريخ الفكر الأوروبي في القرن
السادس عشر وما بعده ، إلى عقيدة التنوير في القرن الثامن عشر ، وعقيدة أو دين
(عبادة العقل) في آخر هذا القرن ، ودين (عبادة المرأة) الذي ألّفه العالِم (العلماني)
(أوجست كومن) في أوائل القرن التاسع عشر . ثم هناك الأديان العلمانية المشهورة: كنظام (هيجل) الفلسفي ، ثم نظريات (ماركس) التي أنجبت الشيوعية
والاشتراكيات المختلفة من مثالية إلى علمية ، وأخيرًا: فلسفات الغرب الكبرى في
القرنين التاسع عشر والعشرين ؛ من الوضعية ، إلى الليبرالية ، إلى النزعة العلمية
وفلسفة العلوم ، والنفعية (البراجماتية) ، إلى الوجودية ، والظواهرية .
والدين الوضعي العلماني هو مذهب فكري يدعي أنه يحل محل الأديان الغابرة
في الغرب (كالنصرانية واليهودية) ، ويفسر كل جوانب الحياة بفعل مبادئ عامة
يرسيها ، كما يوجه بفعل نفس المبادئ إلى سبل الحياة السعيدة . وهذه العقائد
العلمانية تشترك في رفض الوحي المنزل ، بل ورفض وجود الإله ذاته ، وتجعل
من الإنسان أو من المبادئ التي تبتدعها وحيًا منزلًا لا يناقش ولا يُرد ، وهي تتوسل
في دعاويها بادعاء أنها علمية الطابع والمنهج ؛ نظرًا للقداسة التي أصبح العلم
التجريبي يحظى بها باعتباره مصدرًا للحق واليقين بديلًا عن الأديان الساقطة . غير