فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 241

ربع قرن ، وهذا التشبيه يدل على مفتاح أساسي من مفاتيح فهم وتحليل هذه الظاهرة ، يعني: على تجاوز جوانبها السطحية والنفاذ إلى أعماقها .

إن جوهر (الفمنزم) يكمن في الظاهرة العامة التي عرفها تاريخ الفكر

والممارسة الغربية على مدى القرنين الماضيين ، ألا وهي: ظاهرة وضع أديان

وعقائد بشرية وضعية لتجنب الدين الموحى به ، وسواء اعتقدنا أن هناك مؤامرة

يهودية ماسونية علمانية وراء هذه الظاهرة ، أم لا ، فإننا لا نملك إلا أن نرصدها ،

بدءًا من العوالم والمدن المثالية التي حفل بها تاريخ الفكر الأوروبي في القرن

السادس عشر وما بعده ، إلى عقيدة التنوير في القرن الثامن عشر ، وعقيدة أو دين

(عبادة العقل) في آخر هذا القرن ، ودين (عبادة المرأة) الذي ألّفه العالِم (العلماني)

(أوجست كومن) في أوائل القرن التاسع عشر . ثم هناك الأديان العلمانية المشهورة: كنظام (هيجل) الفلسفي ، ثم نظريات (ماركس) التي أنجبت الشيوعية

والاشتراكيات المختلفة من مثالية إلى علمية ، وأخيرًا: فلسفات الغرب الكبرى في

القرنين التاسع عشر والعشرين ؛ من الوضعية ، إلى الليبرالية ، إلى النزعة العلمية

وفلسفة العلوم ، والنفعية (البراجماتية) ، إلى الوجودية ، والظواهرية .

والدين الوضعي العلماني هو مذهب فكري يدعي أنه يحل محل الأديان الغابرة

في الغرب (كالنصرانية واليهودية) ، ويفسر كل جوانب الحياة بفعل مبادئ عامة

يرسيها ، كما يوجه بفعل نفس المبادئ إلى سبل الحياة السعيدة . وهذه العقائد

العلمانية تشترك في رفض الوحي المنزل ، بل ورفض وجود الإله ذاته ، وتجعل

من الإنسان أو من المبادئ التي تبتدعها وحيًا منزلًا لا يناقش ولا يُرد ، وهي تتوسل

في دعاويها بادعاء أنها علمية الطابع والمنهج ؛ نظرًا للقداسة التي أصبح العلم

التجريبي يحظى بها باعتباره مصدرًا للحق واليقين بديلًا عن الأديان الساقطة . غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت