الصفحة 121 من 195

الفصل التاسع

تجفيف الينابيع

كان على الإسلام أن يشرع عدة أساليب علاجية متوازية لمكافحة آفة الرق. تمامًا كالطبيب الماهر الذي عليه أن يضع أنواعًا من العلاج للمريض، منها ما يوقف انتشار الداء وامتداده إلى أعضاء أخرى بالجسم، ومنها ما يعمل على قتل الجراثيم داخل العضو المصاب ذاته للقضاء على المرض دون الإضرار بباقي الجسم. هذا هو الحال بالضبط بالنسبة لما فعله الإسلام في مواجهة سرطان الاستعباد في الأرض .. فأول الإجراءات الفورية التي جاء بها التشريع الإلهي كان سد كافة المنافذ و"تجفيف ينابيع"الرق، لوقف تزايد أعداد ضحايا الاستعباد في كل مكان.

نجد هذا واضحًا في الأحاديث الشريفة الصحيحة التي تحظر صراحة - وفورًا- أي شكل من أشكال استعباد الأحرار. فلا يجوز مطلقًا خطف الآخرين لبيعهم بعد ذلك في أسواق الرقيق كما كان شائعًا في كل أنحاء العالم وخاصة أوروبا. كما لا يجوز مطلقًا استعباد السارق - بل يعاقب فقط - ولا المدين الذين يعجز عن السداد، وإنما على المجتمع أن يساعده في سداد الدين بجزء من أموال الزكاة، وعلى الدائن أن يضع عنه جزءًا من الدين ليساعده على السداد أو يمهله فترة، وفي كل الأحوال لا يسمح له مطلقًا باتخاذه عبدًا.

روى الإمام البخاري رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حُرًَّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (1) . وكَوْن من يفعل ذلك خصمًا لله يعني الخسران المبين ودخول جهنم. فهل يقوى أحد على تحمل تبعات هذا الذنب العظيم؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت