الصفحة 122 من 195

وهذا الحديث القدسي الشريف قاطع الدلالة في تحريم استعباد الأحرار لأي سبب كان، سواء بخطف الأحرار - كما فعل الغربيون وما زالوا يفعلون - أو باسترقاق المدين الذي يعجز عن السداد، أو كعقاب للسارق أو المجرم, أو حتى إقدام بعض الفقراء على بيع أطفالهم لإنقاذهم وإخوتهم من الجوع والفقر. كما ينص الحديث القدسي على تحريم السُخرة، وهي من صور الاستعباد الشائعة، وتتمثل في كل حالة يقوم فيها المُلاَّك أو الحكومات أو جيوش الاحتلال - بتسخير الناس في أعمال شاقة بدون دفع أجور أو مقابل أجر ضئيل لا يتناسب مع حجم ومشقة الأعمال التي يتم إنجازها.

وهكذا نرى أن حديثًا واحدًا قد أغلق منافذ الرق وجفّف ينابيعه.

وقد أثبت الإمام ابن القيم رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعبد حرًّا قط (2) .

وروى أبو داود في حديث الثلاثة الذين لايقبل الله صلاتهم أن من بينهم:"ورجل اعتبد حُرًَّا"، وكفى بهذا عقابًا له (3) .

وروى أن فاطمة بنت عبد الملك زوجة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أهدته جارية حسناء، فلما جلس معها سألها: من أي البلاد أنت؟ فأجابته الجارية بأنها من بلاد المغرب العربي، وأن عامله على المغرب أخذها بسبب جناية ارتكبها أبوها - أي أنها كانت حُرَّة أصلًا - وأرسلها كجارية إلى زوجة الخليفة. فصاح عمر رضي الله عنه:"إنا لله وإنا إليه راجعون. كدنا والله نفتضح ونهلك". وأمر على الفور بإعادتها إلى بلادها معزّزة مكرَّمة، ودفع ديون أبيها، وعاقب الوالي (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت