الصفحة 166 من 195

الفصل الحادى عشر

فَك رقبة

آية حكيمة خالدة مكونة من كلمتين فقط حَرَّر الله تعالى بها عشرات الملايين من الأنفس على مدار 14 قرنًا من الزمان. كلمتان فقط:"فك رقبة"- في سورة البلد الآية:13 - هما دستور الحرية والإعلان الإلهى لعتق المعذبين في الأرض قبل الإسلام .. ولا ندرى كيف لا يخجل الزاعمون أن الإسلام يؤيد الرق من أنفسهم، رغم وجود كل تلك النصوص الصريحة في القرآن عن"تحرير رقبة"و"فك رقبة"؟!! والمراد هنا العتق الاختيارى تقربًا إلى الله تعالى. أما حالات التحرير الوجوبى فقد سبق الكلام عنها في الفصل السابق.

يؤكد المفسرون (1) تعليقًا على تلك الآية الخالدة التى جاءت في سياق قوله تعالى:"فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة" (البلد: 11 - 13) أن اجتياز العقبة التى هى أهوال يوم القيامة - أو جهنم أو جبل في جهنم حسب رأى آخرين- لا يكون إلا بالأعمال الصالحة في الدنيا، وعلى رأسها"فك رقبة"أى تخليص نفس من الرق، إما بالعتق لها كلّيا بأن يحرّر السيد رقيقه بلا مقابل، أو أن يشترى رقبة فيعتقها، أو بإعانة مكاتب على دفع المستحق لمالكه نظير تحريره (2) .

وقد ذهب الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه إلى أن العتق أفضل من الصدقة، مستدلًا بهذه الآية الكريمة التى جاء ذكر فك الرقبة فيها قبل باقى الحسنات الأخرى مثل"أو إطعام في يوم ذى مسغبة" (البلد: 14) . وهو رأى عبقرى يدل على سعة أفق الإمام وإدراكه للقيمة العظمى للحرية في الإسلام، حتى أن الله تعالى قدمها على إطعام الفقراء والمساكين بل والأيتام من ذوى الأرحام .. وأورد الإمام القرطبى رضى الله عنه في تفسير الآية أن رجلًا سأل الشّّعْبى: أين يضع فضل النفقة، في ذى قرابة أم يعتق رقبة؟ فقال الشّعبى: عتق الرقبة أفضل، مستدلًا بالحديث الشريف"من"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت