الصفحة 181 من 195

بالأحساب والأنساب، فوجدوا في أنفسهم ضيقًا شديدًا وحرجًا بالغًا من هذه الزيجة التي اعتبروها غير متكافئة، بل تلحق بهم العار، طبقا لما كان عليه العرب في الجاهلية من أعراف وتقاليد.

وهكذا رفضت"زينب"وأهلها الأسياد بنو الأسياد مصاهرة عبد سابق، فأنزل الله تعالى آية خالدة:"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا" (الأحزاب: 36) . قال جمهور المفسرين - فيما يرويه ابن كثير والقرطبى والطبرى وغيرهم - أن هذه الآية نزلت بسبب رفض زينب وقومها تزويجها من زيد بن حارثة، فلما نزلت الآية الكريمة قالت زينب رضي الله عنها:"لا أعصي الله ورسوله قد أنكحته نفسي"، وقال أخوها عبد الله بن جحش رضي الله عنه:"يا رسول الله مُرْنِي بما شئت"، فتزوّج زيد زينب رضي الله عن الجميع (5) .. ثم نزل بعد ذلك تحريم التبني، فاسترد زيد اسمه الأول"زيد بن حارثة"بعد أن كان يُدعى قبل ذلك زيد بن محمد. وكان رضي الله عنه وولده أسامة أحب الناس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ابنته فاطمة رضي الله عنها، وكان يقال لأسامة الحِبْ ابن الحِبْ - المحبوب بن المحبوب - لمنزلتهما السامية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ليس هذا فقط بل إن"زيدًا"رضي الله عنه هو الصحابي الوحيد الذي ذكره الله تعالى في القرآن الكريم بالاسم صراحة في آية خالدة تتلى إلى يوم القيامة"فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها .." (الأحزاب: 37) . ولم يظفر بهذا الشرف الرفيع - الذكر بالاسم الصريح في القراّن - ولا حتى الصدّيق أو الفاروق رضى الله عنهما، فهل هناك تكريم لهذا العبد السابق أكثر من ذلك؟!! كما عيّنه النبي عليه السلام قائدًا للجيش في غزوة"مؤتة"أميرًا على أكابر الصحابة، ثم ولّى ابنه أسامة بن زيد قيادة الجيش من بعده. وعندما اعترض البعض قال النبى - صلى الله عليه وسلم:"إن يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه - زيد - وأيم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وأن كان من أحب الناس إلىَّ، وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إلىَّ بعده"متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت