فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 175

وكذلك الأمة التي لا مال لها أمة فقيرة معدمة، تستجدي ضروراتها من سواها، أمة جائعة، عارية، غير مستقرة، أرضها موات، وعمرانها خراب، وأمنها مختل، يقودها أمم الأرض لحاجتها إليهم في كل شئون حياتها، يسيطر الجهل على أبنائها، ويقتلهم المرض، أمة تنتظر الزوال لعزوفها عن تحقيق مراد الله من تسخير الكون للبشر، وهو استغلاله وعمارة الأرض به.

وقد أمر الله تعالى بطلب الرزق، كما في قوله تعالى:

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور} [الملك: 15] .

قال ابن كثير، رحمه الله:"أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها، في أنواع المكاسب، والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئًا إلا أن ييسره الله".. [تفسير القرآن العظيم (4/397) ] .

والأمر هنا: {فامشوا وكلوا} يقصد به الإباحة في الجملة، أي إن الفرد لا يجب عليه أن يمشي في مناكب الأرض طالبا للرزق، بل يباح له ذلك.

إلا انه إذا ترك السعي في طلب الرزق، وترتب على ذلك فقره واضطراره لسؤال الناس واستجدائهم، كان آثما ووجب عليه حفظ ماء وجهه بطلب الرزق الحلال بكسب يده مادام قادرًا على ذلك.

أما ترك الأمة كلها للمكاسب، فانه لا يجوز، لأنه خلاف مقصود الله من عمارة الأرض.

قال الإمام الشاطبي، رحمه الله:"فالمباح يكون مباحًا بالجزء، مطلوبًا بالكل على جهة الندب أو الوجوب."

فالأول كالتمتع بالطيبات، من المأكل والمشرب والمركب والملبس، مما سوى الواجب من ذلك، والمندوب المطلوب في محاسن العبادات...

والثاني كالأكل والشرب ووطء الزوجات والبيع والشراء ووجوه الاكتسابات الجائزة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت