فهرس الكتاب
فدرب من جاء يسأله - وهو الكريم الذي كان أجود من الريح المرسلة - على السعي لكسب الرزق بعمله، وأثبت له أن اليأس من الكسب بالعمل عجز وكسل، وأن البدء بالكسب القليل يبارك الله فيه ويغنى صاحبه عن الناس.
تأمل في هذا المعنى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلًا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله..
فقال: (أما في بيتك شيء؟) ..
قال: بلى، حِلْس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقَعْب نشرب فيه الماء.
قال: (ائتني بهما) .
فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وقال: (من يشترى هذين؟)
قال رجل: أنا آخذهما بدرهم.
فقال صلى الله عليه وسلم: (من يزيد على درهم) مرتين أو ثلاثا؟
قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاه إياها، فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري..
وقال صلى الله عليه وسلم: (اشتر بأحدهما طعاما، فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فأتني به) ..
فأتاه به، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودًا بيده، ثم قال: (اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا) ..
ففعل وجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا خير لك من أن تجئ المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاث: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع) . [أبو داود (2/292-294) وابن ماجة (2/740) والنسائي (7/227) والترمذي (3/513) وقال هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان.. والعمل على هذا عند أهل العلم، لم يرو بأسًا ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث، وضعَّف الشيخ ناصر الألباني إسناده في إرواء الغليل (5/130) من أجل أبي بكر الحنفي، لجهالته. والحلس كساء غليظ ممتهن يكون على ظهر البعير، والقعب قح من الخشب]
وفي هذا التوجيه النبوي دلالات عظيمة، نوجزها في الأمور الآتية: