فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 175

ولعل القارئ يفهم من كلام ابن حزم أنه خالف ما مضى مما نقله القرطبي، وهو ظاهر فيما يتعلق بالصدقات ونحوها من الطاعات.

أما المباحات فإن قول ابن حزم في النص الذي قبل هذا:

"أو التبذير فيما لا يحتاج إليه ضرورة..". يظهر منه أنه داخل عنده في التحريم إذا جاوز حده، فإن ما أصله مباح إذا بولغ فيه حتى زاد عن الحاجة، ولم يستفد منه صاحبه ولا غيره يصبح محرمًا.

مثل ولائم العرس والضيافات التي تقام في بعض البلدان الإسلامية ولا يركل من أطعمة تلك الولائم والضيافات إلا النزر اليسير، ويرمى ما بقى في القمامات، ولا يوجد من يأكله، أو لا يجتهد أهله في إيصاله إلى من يستحقه..

ويوجد في الشعوب الإسلامية وغيرها عشرات الآلاف من المسلمين وغيرهم يموتون من الجوع، ينتظرون من يطعمهم وينفق عليهم.. فلا يجد أكثرهم من يلتفت إليه أو يهتم به.

مع أن دوافع الإسراف والتبذير عند الأغنياء، هي الفخر في الإنفاق والمبالغة في إظهار الكرم.

وتفصيل القرطبي السابق في الإسراف هو الذي يظهر لي، وأنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأهل.

وللعرف السليم المتقيد بشرع الله تعالى المبني على الخوف منه والرغبة في ثوابه مدخل في مثل هذه الأمور.

القاعدة الثالثة: الترف

قال في القاموس المحيط:"ترف"وكفرح، تنعم"وأتْرفَتْه النعمة أطغته، أو نعمته كَتَرفَتْه تتريفًا."

والمترف، كمكرم المتروك يصنع ما يشاء، لا يمنع. والمتنعم لا يمنع من تنعمه، والجبار، وتترف تنعم.. [راجع مادة (ترف) في القاموس المحيط للفيروزبادي] .

وقال عن الإسراف:"التبذير، وما أنفق في غير طاعة".. [راجع مادة (سرف) ] .

يظهر من هذا أن الترف والإسراف متقاربان في الجملة؛ إلا أن الترف تنعم طاغ، وصاحبه متروك يصنع ما يشاء..

والظاهر أن ذلك بسبب قوته ونفوذه وتجبره وطغيانه، فهو من صفات الحكام الذين لا يتقيدون بشرع الله، والأغنياء ذوي الثراء الواسع الذين لا يوجد من يمنعهم من الترف...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت