فهرس الكتاب
وهاتان الطائفتان هما سبب الكوارث التي تنزل بالأمم، لأنهما يتعاونان على تنفيذ مآربهما، ولا يمتثلان لآمر بمعروف أوناه عن منكر، بل يقفان له بالمرصاد..
وينشران بسبب قوتهما السلطانية والمالية الفساد، فيقتدي بهما من هو دونهما، حتى يعم الفساد وتنزل العقوبة الإلهية التي لا تبقى ولا تذر..
فالترف هو التنعم الذي يحيط بصاحبه من كل جانب، فلا يفكر في المصالح العامة، ولا الخاصة التي تنهض بالشعوب في مجالات حياتها كلها، ولا في المفاسد والعواقب الوخيمة التي تدمر الأمم داخلية كانت أو خارجية..
وإنما يفكر فقط في المزيد من التنعم بالحلال وبالحرام، كلما تناول من النعم شيئًا ازداد نهمه لما هو أكثر.. لا يشبع من شيء..
يبحث كل يوم عن الجديد من اللباس، والمركب، والمسكن، والمشرب والمطعم، والأثاث، وأنواع الزينات، فيزيد ترهله، وتكثر فواحشه، وتزول رجولته وتذهب غيرته..
ويتساهل في شرفه ومجده، بل يضحى بهما ويضيعهما في سبيل المزيد من الترف.. حتى ينزل الله بالأمة المسرفة كوارث ربانية تزلزل قواعدها..
ولقد عني القرآن الكريم بشأن الترف والمترفين، وبيان العواقب الوخيمة التي تلحقهم في الدنيا والآخرة، وما يصاب به غيرهم في الدنيا من البلاء بسببهم.
فقد بين سبحانه وتعالى أن المسرفين دائمًا يقفون في وجه الإصلاح والمصلحين، ويكفرون بالدعوة إلى الله ويحاربونها، ويصدون الناس عنها، للمفارقة الحاصلة بين دعوة الرسل وواقعهم المترف الذي لا قدرة لهم على تركه ومفارقته، لقعود همهم عن سواه..
قال تعالى: {وَمَا أَرسَلْنَا فِي قَريَةٍ مِنْ نَذِير إِلا قَالَ مُتْرفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرسِلْتُمْ بِهِ كَافِرونَ} [سبأ: 34] .
والسبب في ذلك أن ترفهم وتمتعهم، أصبح إمامهم يتبعونه غير مبالين بالفساد المترتب على ذلك..