فهرس الكتاب
وإن الترف إذا بلغ بقوم قمته ففشا فسوقهم، أنزل الله بهم بأسه فعمهم بعقابه المدمر الذي لا مناص منه..
كما قال تعالى: {وَإِذَا أَردْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَريَةً أَمَرنَا مُتْرفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرنَاهَا تَدْمِيرا} [الإسراء: 16] .
وهذا يدل أن الضرورات التي لا يحفظها البشر في مصالحها التي أرادها الخالق سبحانه، ولا تصان عن عبث العابثين بها، فإن عاقبة عدم حفظها الدمار والهلاك في الدنيا والخسارة في الآخرة.
وهذا أمر مشاهد لا يحتاج إلى برهان، فوقوعه هو دليل البرهان عليه، فالترف سبب لزوال النعم وحلول النقم..
وكم من بلد بات أهله آمنين وهم يفسقون، فأصبحوا والأنهار تجري في أرضهم لا يجدون شربة ماء صافية. لشدة الخوف ونزول المصائب.
وقد جعل ابن خلدون، رحمه الله، الترف من عوائق الملك، وصدق، فإن الملك يحتاج إلى همم عالية، يسهر أصحابها إذا نام الناس، للتفكير في مصالح الدولة، ودرء المفاسد عنها، ويتعبون إذا ارتاح الناس، حفظا لأمنهم واستقرارهم، والمترف ليس من هذه القافلة في شيء.
وعلى قدر ترفهم وتنعمهم يكون الإشراف على الفناء، فضلًا عن الملك، فإن عوارض الترف والغرق في النعيم، كاسر من سورة العصبية التي بها التغلب. [راجع المقدمة 140-141] .
وقال سيد قطب، رحمه الله في ظلال آية الإسراء الماضية:
"والمترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال والخدم، ويجدون الراحة، فينعمون بالراحة والدعة وبالسيادة، حتى تترهل نفوسهم وتأسن وترتع في الفسق والمجانة، وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات، وتلغ في الأعراض والحرمات."
وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم، عاثوا في الأرض فسادًا ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلا بها ولها.