الصفحة 34 من 81

لقد تكفلت هذه الدراسات بدفع الفرية الكبرى التي ظلت تحتل مكانة مرموقة في الأوساط العلمية في أوروبا وفي العالم الإسلامي وهي أن « السنة لم تدون إلا في عصر متأخر مما أدى إلى سهولة سريان حركة الاختلاق إلى مادتها» لكن هذه الدراسات كلها اتفقت على مبدأ التدوين على حساب التهوين من مبدأ الرواية الشفوية التي كانت تعتمد على الحفظ ، أعني حفظ الصدر الذي يعتمد على الذاكرة (1) .

والملاحظ أن نظرية أولئك الباحثين كانت أشبه برد نعل عكسي ومضاد لافتراآت المستشرقين ، فقد أقام المستشرقون أبحاثهم على أساس أن المحدثين كانوا يعتمدون على الرواية الشفوية التي مبناها على الحفظ والذاكرة (2) وذلك لأجل إثبات وقوع الاختلاف والتحريف فكانت أبحاث العظمي وسيزكين وغيرهما تصب في اتجاه إثبات العكس بغية درء تهمة الاختلاف والتحريف .

وقد حاول الأستاذ سيزكين رد الفهم الخاطئ للمستشرقين في هذا الباب إلى عدم إدراكهم لمعاني الاصطلاحات الحديثية مثل « حدثنا » و «أخبرنا » و « عن» إذ يرى - سيزكين - أن هذه الألفاظ لا تدل بالضرورة على روايات شفوية، بل إن بعضها قد يستخدم في الإجازة والنقل عن مرويات تحريرية (3) .

(1) - انظر مثلا تاريخ التراث العربي. فؤاد سزكين . (1/240-243) وفيه يقول: « وعلى كل حال فقد كانت العادة المألوفة في الرواية أن تذكر عبارة «إملاء من حفظه» إذا كانت الرواية تعتمد على الذاكرة وحدها، هذا أمر استثنائي » . وأيضا دراسات في الحديث النبوي. محمد الأعظمي (2/327)

(2) - يمكننا استثناء قرار روزنتال الذي قال في كتابه « مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي » ترجمة أنيس فريحة ص 26: « كان المؤرخون المسلمون كما كان علماء الدين أيضا يعتمدون على الوثائق المدونة ولم يكن للمعارف التي تعتمد الذاكرة شأن في تأليفهم » وسيأتي مناقشة مضمون الجملة الخيرة لروزنتال.

(3) - تاريخ التراث العربي فؤاد سيزكين (1/243-244)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت